محمد أمزيان: “شمهروش” قتل الناس أجمعين

محمد أمزيان

محمد أمزيان

حادثة “شمهروش” مأساوية بكل المقاييس، وهي ليست الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة في ثقافة تمجد الموت وتزدري الحياة. لقد أصبحنا مجتمعا ميتا ثقافيا مع وقف التنفيذ، ونرى الآن نتائج جبن مجتمع رضخ لسطوة الماضي قانعا بما يغرسه التدين النفطي القائم على كره كل ما في الإنسان من إنسانية.

ليس إعدام الجناة هو ما يعيد الحياة لضحايا الذبح والقتل والإقصاء، إنما القطع نهائيا مع ثقافة غريبة عن مجتمع عُرف بتعدد الأعراق والديانات والثقافات عبر تاريخه؛ ثقافة أغلقت على نفسها في الظلام وتزودت بحق إلهي مقدس يجعل المخالفين لتصوراتها أهدافا عارية جاهزة للفتك. أية ذهنية هذه؟ أي عقل؟ أي تدين هذا الذي “اعتقل” رب العالمين في ظلاميته وحوله إلى آلة للقتل وجزّ الرؤوس؟ ثم يأتي من يلقي اللوم على الغرب، عدو الإسلام الأول في اعتقادهم، ويحسبه مصدر كل الأوزار التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية، وكأن هذا الغرب منشغل فقط بتفاهاتهم. هل الغرب هو الذي وضع مناهج تدريس الكراهية في مدارسنا؟ هل الغرب هو الذي يعين مجانين ليخطبوا فوق المنابر ويعلنوا حربا شعواء على كل ما هو جميل في الحياة؟ هل الغرب هو الذي أفرغ الدين الإسلامي من جوهره الإنساني وحوله إلى وعاء لكل المكبوتات؟ إن أشد عدو للإسلام، هو صنف من المسلمين طغى في الأرض بلا حسيب ولا رقيب، ما دام يستمد قوته مباشرة من السماء!!

لم يفت الأوان بعد لتقديم حصيلة نقدية لمناهج التعليم. لم يفت الأوان بعد لمصارحة الذات واستفزازها بسؤال بسيط، لكنه أساسي في تعامل الإنسان مع أخيه الإنسان: هل المسلم أفضل حقا من غير المسلم؟ من أعطاه هذه الأفضلية؟ وهل من فضل المسلم على العالمين تصفيتهم إن خالفوه؟ لم يفت الأوان بعد لمواجهة من يدعي احتكار المعرفة الإلهية كما كان القساوسة يحتكرون معرفة الرب، فكان أن أعادهم العقل إلى جحورهم صاغرين. لقد أحاط رهبان الإسلام الجدد دين الله بسياج شائك يفتحونه لمن شاؤوا ومتى شاؤوا، فتشكلت قرب سياجات الرهبان مجتمعات منافقة، كاذبة، مخادعة، نصابة، مغتصبة ومتواطئة مع من يدفع أكثر. أصبح حرصهم الزائد على “نقاوة” الدين تجارة لا تبور بين أتباعٍ مسلوبي الإرادة والعقل والوجدان. فمتى كان التدين الخارجي هو الدين؟ ومتى كان الله سيفا مسلطا على رقاب العباد؟

“هل المسلم أفضل حقا من غير المسلم؟ من أعطاه هذه الأفضلية؟ وهل من فضل المسلم على العالمين تصفيتهم إن خالفوه؟”

ليست ثقافة القتل صفة ملتصقة بالمتدين فحسب، بل هي متجذرة حتى في من يدعي “التحرر” من الدين. وهذا ما يخيف حقيقة، لأن المدرسة التي نشأ فيها المتدين وغير المتدين هي نفسها؛ نفس التربية، نفس العقلية، نفس الفكر، نفس أساليب إلغاء الآخر. ثقافة القتل استوطنت اللاشعور في رؤوس أجيال بكاملها. فعندما غاب الحوار من المدرسة، والنقاش والنقد والرأي الآخر، وحل محلها التلقين المشفوع برهبة الامتثال للأعراف والتقاليد والخضوع لمن هو أكبر أو لصاحب سلطة أو لولي أمر يقرر وحده مصيرك دون أن تعترض، وإن اعترضت فأنت عاص ومنشق ومصيرك جهنم الدنيا قبل الآخرة، عندئذ لا يمكن الاستغراب من نشوء مخلوقات إقصائية، دموية، “فرانكشتاينية” تمشي معنا في الأسواق، وتقرر باسم حق هلامي متى ترسلك إلى حتفك.

وإذ أدعو إلى القطع مع ثقافة القتل، فإنني أدعو في المقابل إلى إطلاق سراح العقل في مناهج التعليم. أدعو إلى إعادة الثقة في الإنسان وفي ذكائه وفي إمكانية البحث بنفسه عن حقيقته التي لا يكون مجبرا على فرضها على الآخر، مهما كان دين هذا الآخر أو ثقافته أو عرقه أو لونه. أليس هذا ما يدعونا إليه ديننا الذي فهمناه وعيناه في عقولنا وصدورنا قبل غزوات التدين النفطي؟

      

المساء، 25 ديسمبر 2018

Comments

comments