محمد أمزيان: الشيخ والنعناع

محمد أمزيان

محمد أمزيان

كان آرمسترونغ قد أنهى جولته على سطح القمر، وكان الشيخ سي محمادي في مقهى فلوريدو بالحسيمة يحتسي شرابه المفضل: شاي بالنعناع. بجانبه يجلس الأستاذ أحمد المرابط، وفجأة يسأله الشيخ الوقور: هل صحيح أن إنسانا مشى على سطح القمر؟

راح الأستاذ المرابط يجيب الشيخ بكل ما أوتي من معرفة، وكان قد عاد من جامعة القاهرة حاملا شهادة في الفلسفة والفكر الإسلامي. الأستاذ يشرح بمعلوماته العلمية، والشيخ يسمع باهتمام واضح. رفع الشيخ رأسه، قبل أن يوجه سؤالا مُشككا نحو الأستاذ المتحمس: وهل عثروا هناك على نبتة النعناع؟! عندها أدرك الأستاذ المرابط أن الشيخ أوقعه في فخ، لأن دليل الشيخ على وصول الإنسان إلى القمر ليس هو العلم المجرد، وإنما هو النعناع.

تذكرت هذه القصة التي رواها لي الأستاذ المرابط أطال الله في عمره، وأنا أقرأ خبر وصول مسبار أمريكي سالما إلى سطح المريخ. مسبار “إنسايت” الذي أطلقته وكالة الفضاء الأمريكية ناسا في شهر مايو الماضي (2018) عبارة عن مختبر كامل، مهمته الرئيسية إيجاد عناصر الإجابة العلمية عن سؤال واحد: هل توجد الحياة فوق سطح المريخ؟ ماذا كان سيكون رأي الشيخ سي محمادي لو عاش حتى هذه اللحظة؟ أعتقد أن دلائل الدنيا كلها لن تقنعه، من غير دليل النعناع.

“كان آرمسترونغ قد أنهى جولته على سطح القمر، وكان الشيخ سي محمادي في مقهى فلوريدو بالحسيمة يحتسي شرابه المفضل: شاي بالنعناع”

كان الشيخ سي محمادي من علماء الريف في العلوم الشرعية من حديث وتفسير، كما كان يُعد من النحويين الكبار. وبقدر ما عُرف بتبحره في العلوم، عُرف أيضا بفتاويه الملائمة لذهنية الإنسان الريفي. يمكن اعتباره من أوائل علماء “فقه الواقع”. وفوق ذلك كان متصوفا يعيش في ملكوت آخر، كما كان “شريفا”، وهو ما  يعني عند عامة الناس، أنه قادر على التأثير في مصائرهم فيحولها إلى جحيم إن غضب، أو إلى نعيم إن رضي. كان إماما في مسجد قريتنا، وأتذكر هيئته وملامحه وأنا صغير حينما كان يزور عمي في بيت الأسرة المجاور للمسجد، وأتذكر طقوسه أثناء جلسة شاي. كان هو من يعد الشاي، وهو من يجلب أوراق النعناع معه. فهو لا يتصور كأس شاي منعشة بدون تلك النبتة الربانية. ومما يؤثَر عنه أنه حرّم المحرمات جميعها إلا قطف أوراق النعناع دون استئذان، فهو حلال حتى ولو دخل في باب السرقة.

كان ذات يوم عائدا من السوق حاملا بعض اللحم عشاءً لأسرته. مر على حقل مسقي فظهر له أن ينحرف إليه ليقطف ما يحتاجه من النبتة الحلال. وعندما انتهى، ترك لصاحب الحقل ما اقتناه من اللحم معلقا على غصن شجرة تين. استغرب صاحب الحقل من “الهدية” المعلقة على غصن الشجرة إلى أن عَرف السبب على لسان الشيخ نفسه.

وفي موقف آخر، وكان حينئذ إماما في أحد الدواوير البعيدة، كان على ظهر دابته قاصدا المسجد ليؤم الناس. في الطريق مر على فلاح معروف بالبخل وهو ينظف حقله من النباتات الطارئة. بعد السلام الواجب، فكر البخيل أن يعزم الشيخ الإمام إلى كأس شاي، ظانا أنه سيرفض ما دام واجب الإمامة أجلّ وأعظم. غير أن عاشق النعناع استجاب للدعوة وترجل من على ظهر راحلته. عندئذ أدرك البخيل ورطته فحاول ترميم ما يمكن ترميمه:

- ألا تخشى أن يمر وقت خطبة الجمعة والناس ينتظرونك؟

- لا! سأخطب عليهم غدا السبت!!

هكذا كان الشيخ سي محمادي؛ متبحرا في العلوم الشرعية ومتسامحا في الفتاوى الدينية وعاشقا حد الجنون للنعناع. وكان كثيرا ما يشاكس الشباب المتعلم آنذاك ويتحداهم: “من منكم يستطيع إعراب الجملة التالية: شربتُ كأسا منعنعا”؟ وحكاياته في هذا الباب أصبحت من المأثورات. قيل إنه توفي في بيته ببني توزين وصينية الشاي أمامه. ومنذ وفاته لم يؤم مسجد قريتنا إمام في مستوى علمه وتواضعه ومأثوراته.

المساء، 13 ديسمبر 2018

Comments

comments