رشيد المساوي: قضية ” آيت الجيد”.. أو عندما يقتل الشهيد مرة أخرى

عبد الرشيد المساوي أستاذ ومهتم بالتراث الريفي

عبد الرشيد المساوي
أستاذ ومهتم بالتراث الريفي

أعيدت قضية ” آيت الجيد ” – الطالب القاعدي بجامعة ظهر المهراز بفاس الذي قتل يوم 25 فبراير 1993 في إطار صراع طلابي من طرف أشخاص ينتمون إلى التيار الإسلامي – مرة أخرى إلى واجهة الأحداث ، بعد أن تقرر إعادة متابعة حامي الدين – أحد الوجوه البارزة في حزب العدالة و التنمية، و هو أحد المتورطين فيها – ليس قضائيا فقط وإنما إعلاميا بالخصوص.

والسؤال الذي يطرحه المتتبع المحايد الذي تهمه الحقيقة فقط هو: لماذا يراد لهذه القضية، قضية موت أليم لإنسان، أن تظهر وتختفي باستمرار كما ” ثعلب زفزاف ” أو “نار هيراقليط” التي بها مقادير تنطفئ ومقادير تشتعل باستمرار؟ أي ما المراد تحقيقه من تحريك هذه القضية مجددا بعد مرور حوالي 25 سنة على حدوثها، خاصة إذا علمنا أن أهم المتورطين فيها قد حكم عليهم القضاء وقتذاك، بل – حسب علمي – أظن أنه حتى هيئة الإنصاف والمصالحة بثت فيها، و الأدهى من ذلك عدم ظهور معطيات جديدة تفرض فتح تحقيق من جديد؟ ثم لماذا التركيز على هذه القضية دون غيرها وهناك قضايا لا تقل أهمية عنها تم فيها انتهاك الحق في الحياة ؟

“أرفض مطلقا المساواة بين القتيل الذي استراح من وجع الدنيا، والقاتلون الذين ما زالوا يعانون من وجع الضمير”

الراجح عندي – بحكم متابعتي لهذه القضية التي نشرت حولها ملفات كثيرة في جرائد و مجلات عدة – أن إثارة هذه القضية مجددا يدخل في سياق الصراع غير المعلن وغير المباشر الذي يخوضه المخزن ضد التيار الإسلامي بجميع مكوناته، وهو أقوى تيار منافس في الساحة؛ أما قضية “آيت الجيد” فيتم استغلالها سياسيا لإضعاف هذا التيار وإلصاق أشنع التهم به: القتل في هذه الحالة (تشميع منزل قيادي في العدل والإحسان مؤخرا لا يخرج عن هذا السياق). وللأسف فتوظيف قضية “آيت الجيد ” – هذا الطالب الذي عرفته عن قرب مسالما و منتميا إلى المغرب العميق – هو قتل رمزي ثاني له، لأن الشهيد قبل أن يكون معاديا للإسلام السياسي كان أساسا معاديا للمخزن. وأتأسف كثيرا أن تنتهي قضيته الإنسانية لتصبح محط تجاذب المخزن والإسلام السياسي. ذلك أن الحكم مجددا على حامي الدين ولو بعشر سنوات تنضاف إلى المدة التي قضاها بسبب تورطه هذا، لن تخدم القضية في شيء. إن أكبر خدمة يمكن أن تقدم لهذه القضية هي اجتثاث الأسباب التي أدت إلى حدوثها، والتي ما زالت مستمرة في الزمن، ويتم تغذيتها بكل الوسائل، لكي يواصل أبناء الشعب الاقتتال في ما بينهم بسبب الاختلافات الإيديولوجية الضيقة الأفق حيث يخرجون منه كلهم منهزمين؛ إذ بعد آيت الجيد سقط طلبة آخرون لنفس الأسباب ومن كل الفصائل الإيديولوجية

لكن قد يعترض معترض بقوله: حزب العدالة والتنمية مخزني بامتياز، وارتكب “مجازر” أفظع في حق مكتسبات الشعب المغربي، وبالتالي فما الجدوى من أن يحرك المخزن هذه القضية في خاصرته للنيل من صورته؟ جزء من الجواب – و ليس كل الجواب – هو أن المخزن نجح في احتكار السلطة والثروة المادية، لكنه لم يتمكن بعد من احتكار كل الثروة الرمزية – والتي يدرك جيدا أهميتها في التدافع السياسي – الممثلة في الدين الإسلامي، لكي تكون له وحده ولا شريك له، إذ ينازعه فيها التيار الإسلامي. ينضاف إلى ذلك أن لديه “التزامات” دولية تفرض عليه الانخراط في الحرب على هذا التيار لما يشكله من مقاومة ثقافية للعولمة/العولبة

أخيرا ، أنبه إلى أن إثارتي لهذه القضية / المأساة الغرض منه تربوي بالأساس – فأنا لست فاعلا سياسيا تهمه السلطة أو تغيير النظام، وإنما تغيير العقليات – والمتمثل في التنبيه إلى خطورة العمى الإيديولوجي في إسقاط ضحايا أبرياء. بصيغة أوضح؛ أرفض مطلقا المساواة بين القتيل الذي استراح من وجع الدنيا، والقاتلون الذين ما زالوا يعانون من وجع الضمير إذا كان لهم ضمير. لكن لا أرى فرقا كبيرا بين الإيديولوجيات التي كانوا جميعا يدافعون عنها والتي يشكل العنف مقوما أساسيا داخلها…

نتألم لموت الشهيد.. فلنأمل أن يعيش الإنسان.

Comments

comments