محمد أمزيان: عندما يصبح رابط الموت أقوى من رابط الصداقة

محمد أمزيان

محمد أمزيان

خريف 2004

ديراكشان.. فتاة أفغانية كانت قد وصلت مع عائلتها لاجئة إلى هولندا قبل خمس سنوات، هربا من جحيم طالبان في بلدها. وبعد مرورها عبر كل محطات الحصول على حق الإقامة، قررت إدارة الهجرة واللجوء في الأخير إعادتها إلى بلدها بحجة أن لا خطر يهددها. كان فكر اليمين المتطرف قد شرع في كسب الأنصار، والمشهد السياسي في هولندا بشكل عام لا يخفي ميله إلى نهج سبل التشدد في قضية الهجرة واللجوء.

مارتية فان فينكل.. فتاة في عمر ديراكشان تعاني من آلام حادة في عمودها الفقري، لكنها تواصل الحياة ما استطاعت إلى ذلك سبيلا. وأمام شدة الألم ألحت على والديها أن يأخذاها إلى المستشفى لإجراء فحوصات طبية. الطبيب الذي فحصها رأى أن لا خطر على الفتاة المراهقة وأن سبب ألمها راجع إلى بحثها عن الاهتمام وإثارة الانتباه، ولذلك فهي تحتاج إلى طبيب نفسي لا إلى طبيب عضوي. زاد الألم، زادت الشكوى، وأخيرا قرر المستشفى إجراء فحص شامل لها. النتيجة: إصابة عمود مارتية الفقري بورم خبيث نشر خُبثه في كل جسمها.. وبدأت مارتية المرور عبر محطات العلاج.

“عندما يصبح رابط الموت أقوى من رابط الصداقة، تحدث المعجزات. مارتية تخاف أن يخطفها الموت فيطويها النسيان، ديراكشان تخاف أن تعود إلى أفغانستان ثم يطويها النسيان”

ديراكشان.. تحاول إنقاذ نفسها من طالبان.

مارتية.. تحاول إنقاذ نفسها من السرطان.

أمهلت إدارة الهجرة واللجوء ديراكشان حتى تستنفد كل السبل القانونية، إلا أن السرطان لم يمهل مارتية وعاد أكثر شراسة لينهش حياتها. لا مهرب أمام الموت. فكرت مارتية في مستقبلها، فكتبت رسالة مفتوحة لوزيرة شؤون الهجرة والاندماج آنذاك ريتا فردونك: “بما أنني سأموت قريبا، فإنني أمنح مكاني هدية لديراكشان”. كان هذا مضمون الرسالة، وكانت ديراكشان واحدة من الوجوه التي ظهرت في برنامج وثائقي بثته قناة موجهة للفئات العمرية الشابة. إلا أن الوزيرة المعروفة آنذاك بصرامتها أجابتها: القانون هو القانون! كان الجو غير ملائم لطلب التخفيف، وأبواب الأمل أمام اللاجئين  تزداد ضيقا. كانت الحكومة التي يقودها تحالف هجين من المسيحيين الديمقراطيين واليمين الليبرالي قد صادقت على خطة الوزيرة فردونك تقضي بضرورة إعادة ما يعادل 26 ألفا من اللاجئين، ومعظمهم من أفغانستان، الذين لا تتوفر فيهم شروط الحصول على الإقامة القانونية لأن طالبان بدأت تنهزم. ديراكشان كانت واحدة منهم. كانت ديراكشان حينئذ تواصل دراستها بتفوق على الرغم من أنها بدأت من الصفر. فحينما وصلت إلى هولندا كانت بالكاد تكتب اسمها، وبسرعة تعلمت الهولندية وحرقت مراحل الدراسة مبهرة كل من كان يدرسها ويدرس معها. بلغها نبأ مغادرة هولندا حينما كانت على وشك الوصول إلى التعليم الجامعي.  

في هذا الوقت كانت مارتية تشاهد التلفزيون، فخطرت لها فكرة كتابة رسالتها. انتشرت الرسالة عبر وسائل الإعلام، بدأ التعاطف مع مارتية ينمو وتنمو معها قضية ديراكشان. عندما يصبح رابط الموت أقوى من رابط الصداقة، تحدث المعجزات. مارتية تخاف أن يخطفها الموت فيطويها النسيان، ديراكشان تخاف أن تعود إلى أفغانستان ثم يطويها النسيان. كانت أمنية مارتية أن تواصل دراستها وتصبح طبيبة، وديراكشان هي التي ستحقق أمنيتها. هذه كانت وصيتها.

خريف 2018

والدة مارتية تقدم كتابا عن ابنتها في المستشفى الذي ماتت فيه. حضور كبير في صالة المستشفى: أساتذة مارتية، زملاؤها، الأطباء.. كلهم حضروا. ديراكشان، الطبيبة المختصة في معالجة سرطان الأطفال كانت أيضا حاضرة. تتذكر ديراكشان كل التفاصيل. “كلما بدأت علاج المرضى، أستحضر صورة مارتية. هي دائما أمام عيني”. حتى الوزيرة السابقة فرندوك تتذكر عزيمة مارتية، ذلك ما أكدته الوزيرة التي طواها النسيان، في تعليق لصحيفة “فولكس كرانت” التي خصصت يوم السبت 3 ديسمبر، ملفا كاملا لهذه القصة الإنسانية المؤثرة… وكأن مارتية ما تزال تواصل حياتها في مسيرة حياة ديراكشان.

* المساء، 6 ديسمبر 2018

Comments

comments