محمد أمزيان: نحتاج إلى سياسي يسمع

محمد أمزيان

محمد أمزيان

يمكن القول إن التلاميذ الذين خرجوا للاحتجاج على ترسيم الساعة الصيفية لكل الفصول، مكانهم الطبيعي مقاعد الدراسة. هذه مسألة لا تحتمل الجدال، لكن هذا في الظروف الطبيعية والعادية. إلا أن الظروف التي يمر منها المجتمع المغربي اليوم، وعلى كل المستويات، لا يمكن بتاتا وصفها بالطبيعية. فما تكاد بؤرة احتجاج تخبو هنا حتى تشتعل أخرى هناك، حتى أضحت الاحتجاجات الشعبية مظهرا يكاد يكون “عاديا” في المغرب الراهن.

ما الذي أوصل الأمور إلى هذا الحد من الاحتقانات التي تنذر بعواقب لا يمكن أن يَسر بها أحد، حاكما كان أم محكوما؟ وهل تعبر هذه الاحتجاجات عن وعي شعبي ودينامية إيجابية تعيشها المجتمعات الشابة التي تطالب بما تراه حقوقا لها؟ أم أنها تعبير عن فوضى “غير خلاقة” تنهش ما بقي من مناعة في جسد المنظومة السياسية القائمة في البلاد؟ إلا أن السؤال الأهم في نظري هو: كيف تتعامل الدولة، بأجهزتها التنفيذية والتشريعية والقضائية والأمنية، مع هذه الوضعية التي أصبحت “ظاهرة” مقلقة في مغرب العقد الأخير؟

“نحتاج إلى مسؤول مسؤول، وإلى سياسي يسمع، وإلى نقابي يتحاور، وإلى حاكم يدرك أنه لا يساوي شيئا بدون المواطن”.

ولعل ما يميز هذه الاحتجاجات أكثر أنها تخرج مباشرة من رحم الشارع، وليس من مقرات النقابات ولا من مكاتب الأحزاب السياسية التي تُعد في جوهر وجودها المؤطر الأساسي للمواطن، وعليه تتلقى الدعم من جيوب دافعي الضرائب. والحلقة المفقودة في كل هذا أن الجهاز التنفيذي، أي الحكومة، لا يتفاعل مع هذه الظاهرة بروح المسؤولية، تاركا معالجتها لجهازي الأمن والقضاء، وهذا بالضبط ما ينبغي التحذير من تداعياته على المديين المتوسط والبعيد. فمن الممكن جدا أن تكون المقاربة الأمنية والمساطر القضائية “حلا” مؤقتا، لكنها بالتأكيد ليست حلا واقعيا. الحل هو أن تتحمل الحكومة مسؤوليتها كاملة بدراسة الأسباب واقتراح الحلول عن طريق الاستماع والحوار والدراسة والتحليل.

ولقد سبق أن رأينا نماذج من الاحتجاجات الشعبية التي “نجحت” المقاربة الأمنية والقناة القضائية في تصريف جزء من قوتها وإجبارها على الخمود مؤقتا (حراك الريف واحتجاجات جرادة). لكن ما نلاحظه كنتيجة حتمية لهذه المقاربة، أن الذين يخرجون الآن للاحتجاج في الشوارع أكثر تجذرا في مواقفهم وأكثر بعدا عن أي تأطير سياسي أو نقابي. فالشعارات التي حملها بعض العناصر التلاميذية أمام البرلمان ضد رئيس الحكومة شخصيا، خادشة للحياء، ولم يكن لناشطي حراك الريف أو حراك جرادة أن يرفعوها. فهذه هي إحدى النتائج السريعة للشرخ المريع الذي حدث بين المحكوم والحاكم، ومن يدري فقد تكون شعارات المراحل القادمة أكثر “عنفا” في اللفظ وأكثر “سوقية” في الوصف.

وكما حدث مع الحركات الاحتجاجية السابقة من محاولات التجاهل والتقزيم والتشويه، يحدث اليوم مع الحراك التلاميذي. فما يجري اليوم ليست “حالات معزولة” إطلاقا، بل هي صورة عن دينامية مجتمعية تعبر عن إحساس مبرَّر بكون الحاكم في واد والمحكوم في واد آخر. وعليه، فلا ينبغي الاستهانة بما يقوم به التلاميذ في كل ربوع البلاد، و”غضب” الشارع لا ينبغي أن يُعالج بغضب مقابل وإلا انتفت المسؤولية تماما من قاموس الدولة. وقد نتفق أو لا نتفق على أسباب احتجاج التلاميذ، هل هي واهية أو معقولة، لكن واقع الحال الآن يعبر عن خلل كبير في المنظومة بكاملها، ويحتاج إلى تدبير آخر ومقاربة أخرى. وفي مثل هذه الحالات، لا نحتاج إلى جراحين ماهرين في “البتر”، ولكن إلى معالجين حقيقيين. نحتاج إلى مسؤول مسؤول، وإلى سياسي يسمع، وإلى نقابي يتحاور، وإلى حاكم يدرك أنه لا يساوي شيئا بدون المواطن. نحتاج إلى جهاز يحاسب المُقصّر في أداء واجبه، إلى قضاء يستنبط العدالة من المساطر القانونية الميتة. باختصار شديد، نحتاج إلى عقد اجتماعي جديد.

* المساء، 15 نوفمبر 2018

Comments

comments