محمد أحداد: سلعة “الكتابة”

محمد أحداد صحيفة المساء

محمد أحداد
صحيفة المساء

لا يختلف أسلوب الطاهر بنجلون عن أسلوب ولد زروال. يصدران عن نفس القناعة وينهضان على نفس الفكرة تقريبا. فهاهو مرة أخرى يهاجم الإسلاميين ويرى في صناديق الاقتراع آلية غير سوية لأنها توصلهم إلى تدبير الشأن العام..

صار بنجلون متخصصا في تشريح الديمقراطية المغربية لكن من زاوية واحدة، مثل شخصية شهيرة لساراماغو لم تكن ترى الحقيقة إلا عندما ينزل الستار، لكن صاحب رواية “الاستئصال” مهووس حقا بالبتر والحذف، ونزلت عليه غشاوة لبدت رؤيته لما يجري في البلد..

وقبل هذا، هاجم بنجلون المصوتين عن حزب العدالة والتنمية ووصفهم بالمتخلفين والرجعيين ولم يترك شيئا من قاموس اعتقدنا أنه انتهى في زمن الحلقيات والمزايدات القديمة بين التيارات الراديكالية في الجامعات واليوم، وفي ندوات مختلفة، يصنع لنا قوالب جاهزة ويعلمنا كيف نفكر وكيف نفهم الحداثة والتحديث وربما سيؤلف كتابا غدا، على غرار كتابه الذي شرح فيه معنى العنصرية لابنه، يخبرنا فيه بعمق الأدباء الكبار الضالعين في أحوال البلاد والعباد: ما معنى صناديق الاقتراع وعلى أي حزب سياسي سنصوت وأي نموذج ثقافي يصلح لنا وقد ينتهي فيه إلى خلاصته التي ظل مترددا في الإعلان عنها: نحن شعب قاصر ولا نستحق الديمقرطية ولابد من أحد أن يأخذ بيدنا كي لا يغتالنا الإسلاميون أو يشحنونا بالخرافات والأباطيل..

“الحداثة قيم قبل أن تكون “كارطبوسطالات” و”ّإكليشيهات”، ووظيفة المثقف والمبدع هو أن يحارب التصورات السطحية عن القضايا الفكرية والثقافية الكبرى، لا أن يساير منطق السوق ويؤبد الأوهام ويستثمر تاريخ بلد ليضعه في المزاد العلني..”

حين تقرأ مؤلفات بنجلون تجد نفسك – دون أن تشعر- تطرح سؤالا بسيطا ومعقدا في آن: هل المغرب الذي يتحدث عنه هو نفسه الذي نعيش فيه وهل السياسة التي يخوض فيها صباح مساء هي ذاتها التي نكتب عنها والتي نعرف تفاصيلها الظاهرة والخافية؟ وما يفتأ السؤال يتشعب أكثر فأكثر لتلفي نفسك في الأخير تقول إن بنجلون يتحدث عن مغرب متوهم أو متخيل لا يعرفه إلا هو.

هفوات الساسة المغاربة كثيرة ولا حصر لها ويمكن لبنجلون أن يكتب عشرات المجلدات ولن ينتهي من عدها، كما أن ثقوب الإسلاميين وكوارثهم جليلة ولا حاجة له بالبحث عن مفردات القدح والتنقيص والاستهزاء بالمغاربة كي يثبت تهافت أطروحتهم. وبالمناسبة فإن هذا الأسلوب في مواجهتهم هو بالتحديد ما جعل حزبا اسمه العدالة والتنمية تكاد تقترب إنجازاته الحكومية من العدم يتقوى في الشارع ويصوت عليه الناس ليس حبا فيه بل استنكارا لأساليب الذين يعارضونه

اعتاد بنجلون – للأسف – أن يبتعد عن الأدب ويقترب من مسوق لبضاعة تلقى رواجا منقطع النظير عند جزء من الفرنسيين وبعض ممن أمسكوا مفهوم “الاستشراق” من مؤخرته وهكذا أصبحت “العجائبية” رهانا ثقافيا وسياسيا لديه وكتاب مغاربة كثر يعيشون بفرنسا ويصدرون عن قناعة قوامها أن المغرب ما يزال غارقا حتى أذنيه في الخرافة وأن كرامات “ليلة القدر” ما تزال تتحكم في رقاب السياسيين وأننا لم ندخل بعد إلى غمار المدنية الحديثة وربما نسكن الكهوف ونقتات على الثمار الطازجة واللحم الني.. هذه ليست مبالغة إنما شعور أصيل تزرعه فيك روايات وكتابات بنجلون…

ليس من حق أحد أن يصادر حرية بنجلون في إبداء رأيه في قضايا مجتمعية وهوياتية لأن ذلك من صميم أدوار المثقف، لكن التعاطي مع الثقافة بحس انتقائي معد للتسويق (الماركتنغ) وتقديم رؤية مسطحة وعجائبية عن الثقافة المغربية ومهاجمة فئة من المغاربة فقط لأنهم صوتوا على حزب معين وانتقاد أنماط تفكير المغاربة بتقديم بديل ثقافي آخر، هو الانشداد إلى ثقافة أخرى وإلى بيئة سياسية أخرى بعيدة عنا في كل شيء.

الغريب أن تيار بنجلون أصبح مذهبا أصيلا في فرنسا تمتح منه كاتبة أخرى فازت بكونكورد هي ليلى سليماني التي قالت – كذا- إنها لم تجد مكتبات في المغرب، ولم تبدأ بالقراءة حتى ذهبت إلى فرنسا.. طيب…

الحداثة قيم قبل أن تكون “كارطبوسطالات” و”ّإكليشيهات”، ووظيفة المثقف والمبدع هو أن يحارب التصورات السطحية عن القضايا الفكرية والثقافية الكبرى، لا أن يساير منطق السوق ويؤبد الأوهام ويستثمر تاريخ بلد ليضعه في المزاد العلني..

* المساء، 2 نوفمبر 2018

Comments

comments