نجاة بقاش: أحلام مغتصبة..

نجاة بقاش فنانة وكاتبة

نجاة بقاش
فنانة وكاتبة

بعد التحية والسلام،

بعد تردد وتفكير طويل.. قررت أن أكتب لك.. اعذرني، فأنا لست سعيدة وأنا أكتب لك كلماتي.. ولن أكون رقيقة في انتقاء عباراتي.. لن أكون مقتضبة.. لن أكون مرتبة في أفكاري.. ولن أكون لك مجاملة.. بعيدا عن لغة الخشب.. بعيدا عن المحاباة.. لن أنزع نظاراتي.. ولن تجبرني على نزع قبعتي احتراما.. أنا ابنة الجبل والبحر، لا أتقن فن النفاق.. لم يعد الوقت مناسبا للمجاملات.. فالوضع سيء للغاية، لا يحتمل الرسميات..

مخاطبتك سيدي، سئمت الانتظار.. كما سئمت الوقوف في محطات القطار.. أنتظر.. وانتظر السراب.. مخاطبتك سيدي.. من أبناء المغرب العميق.. أتيت من هناك.. أحمل لك رسائل تحمل أسماء موقعيها.. كي أقول لك.. ما لم يستطع أبي قوله لك.. أتيت إلى هنا.. أحمل هموما تكبرني سنا.. ذكريات طفولة لم ترى هناك نورا.. لا تقاطعني أرجوك.. دعني أتكلم.. كانت لديك فرص كثيرة كي تحكي.. كي تغني.. كي تجعلنا نهتف لك.. إلا أنك فضلت الصمت والرحيل.. كل هذا الوقت لم تقل شيئا.. دعني أحكي عني وعنك.. قصصا.. علها تجد آذانا صاغية.. تدمع لها آلة البيانو والقيثارة..

أتيت كما أتى الآخرون.. أبحث عن فرص جديدة.. عن أشياء جميلة افتقدناها هناك.. أبحث عن أجوبة تشفي الغليل.. أبحث عن سبب غضبة المركز على المدينة.. وعن سبب هجرة الكثيرين.. لم يكن في بلدتي المهمشة.. شوارع جميلة.. وعمارات كبيرة.. مثل التي توجد في العاصمة.. لم يكن لدينا مكتبات ومراكز ثقافية.. لم يكن هناك رجال يربطون أنفسهم بروابط عنق مزركشة.. عابسين.. الناس هنا لا يبتسمون كثيرا.. تحس أنك غريب في الجزيرة.. هذا هو حال العاصمة.. لم يكن لدينا أساسيات كثيرة.. سوى صفاء زرقة مياه البحر الأبيض.. وشجر التين والزيتون.. لم يكن هناك فضاءات تستقبل وتدلل الأطفال.. كالتي كنا نشاهدها في القناة الإسبانية كل مساء.. كانت تحملني لعالم أتساوى فيها مع الأمراء..

“يؤسفني أن أخبرك سيدي، أنني أحملك كامل المسؤولية، فيما أعانيه اليوم من إقصاء ممنهج في دارك.. أحس بالعجز وبالمرارة.. رغم الانضباط والمثابرة.. رغم الشواهد المحصل عليها..”

جئت أحمل أحلام فتاة متمردة.. على أوضاع لم أكن سببا فيها.. أحمل توصيات شباب لم يذهبوا يوما إلى المدرسة.. أحلام طفولة لا تشبه الأطفال.. دموع فتيات أرغمن على الزواج مبكرا.. ودموع آخرين هاجروا المدينة.. كم كان ألمي كبيرا وأنا أودع الجيران والمقربين.. دموع نذرفها.. ومياه كنا نصبها خلفهم كي يعودوا آملين.. آه.. وهل كل من يرحل عنا يعود يوما..؟

في كل بداية موسم مدرسي.. كنت أجد مقاعد فارغة لصديقات تمنيت طوال العطلة تجديد اللقاء بهن.. غادرن الصفوف واحدة تلوى الأخرى، قبل أن ننهي القصص التي كنا قد بدأنا ها.. رموز كنا ننقشها على جدران المدرسة حتى نؤكد مرورنا من هنا.. نحفرها بقلبنا، خلسة حتى لا ترانا حارسة المؤسسة.. كانت المدرسة هي الفضاء الوحيد الذي كنت أجد فيه السعادة.. كنت أحلم فيها أن أكون مثل أطفال آخرين.. ألمني فراقهم كثيرا.. لم تعد المدينة بدونهم جميلة كذي قبل.. جراء هول الرحيل.. انتفضت بأعلى صوتي.. أول انتفاضة كانت ضد أبي.. لقد رحلوا كلهم يا أبي (فتيحة، حكيمة، دنيا، علي، مصطفى، أحمد، فاطمة، حنان..جمال، علي، عائشة، مريم..وآخرون) لماذا لا نرحل معهم يا أبتي؟.. لماذا بقينا هنا بعد أن رحل كل من كان في حينا.. نظر إلي أبي لم يكن مستغربا.. بابتسامة ملؤها الحزن العميق أجابني قائلا.. سوف يأتي يوم ستغادريننا أنت أيضا.. وعاد يبتسم قائلا إن رحلنا كلنا من سيساعد الناس هنا.. على فكرة، أبي كان موظفا بقطاع الصحة العمومية آنذاك.. فحبه لعمله وحب الناس له جعله يفضل البقاء..

لم تكن في الحسيمة سوى دار شباب واحدة.. تحمل اسم الأمير عبد الكريم الخطابي.. لم تكن تساير طموح شباب المدينة.. شهدت أحداثا أجبرت الشباب على مقاطعتها لمدة طويلة.. خلال العطلة الصيفية، كانت الفتيات المتمدرسات يلجأن لكنيسة سان خوسي الكاثوليكية لقراءة كتاب أو تعلم مهارات يدوية.. بدلا عن الأندية النسوية التي كانت تغلق أبوابها خلال الفترة الصيفية.. إذ لم تكن تساير هي أيضا حاجيات هذه الفئات.. اعذرني على هذه الإطالة.. اعتبرها مقدمة طللية.. لبناء قصيدة من القصائد الجاهلية..

يؤسفني أن أخبرك سيدي، أنني في وزارتك، كل يوم أجد نفسي مضطرة بالإدلاء بالشهادتين، شهادة ميلادي.. وبطاقة تعريفي.. حتى لا ينسون أنني ضمن لائحة الغرباء.. رغم أنني مغربية الأصل.. يتساءلون من أين جئت ولماذا أتيت.. ليؤكدوا كل مرة أنني لست بنت العاصمة.. حيرني السؤال.. وكأن التجوال في البلاد حرام.. خمسة وعشرون سنة مضت قضيتها بينهم.. رغم ذلك يسألونني من أكون ومن أين أتيت.. لم يتعودوا على اسمي بعد.. هناك من يراقبني من بعيد.. يتربص بي، يترصد هفواتي.. يحاول تأكيد فكرة: الفشل للآخر والتميز له وحده.. كلما أحس بتفوقي راح يستفزني بسب مقدساتي.. حتى يرى غيره غضبي.. ويتلذذ بصحة مزاعمه.. المناصب والكراسي لهم لا لغيرهم.. الامتيازات والتميز لهم لا لغيرهم.. حينما أقدم لهم بطاقة هويتي.. يقولون عني انفصالية.. عندما أدلي بشواهدي.. يقولون أنها بدون أهمية.. حينما أترشح لمنصب المسؤولية.. يقولون كيف للمنصب أن يمنح بدون تأشيرة.. حينما يطلب إبداء الرأي.. يضعون جدارا بيني وبينهم.. حينما تأتي سيدي الوزير يشتد حرصهم حتى لا ترى في المكان غيرهم.. لم يستوعبوا بعد أن المغرب لكل المغاربة.. وان المركزية هي سبب الإخلال في الواجب اتجاه الهامش.. لم يفهموا أنني فقدت أقاربي وأصدقائي بسبب سوء تدبير المركز للهامش..أتيت.. حتى أنفذ الوصية.. وأشارك في اتخاذ قرار إعادة بناء المدينة.. لإسماع صوت ابنة المغرب العميق، للمسؤول الكبير في الرباط العاصمة.. لهذا السبب وحده أتيت.. لاقتراح بدائل علها تجد آذانا صاغية.. أبحث عن فرصة.. تفك العزلة عن المواطن البئيس.. أترافع عن قضايا من لم يحس به من عاش في النعيم..

يؤسفني أن أخبرك سيدي، أنني أحملك كامل المسؤولية، فيما أعانيه اليوم من إقصاء ممنهج في دارك.. أحس بالعجز وبالمرارة.. رغم الانضباط والمثابرة.. رغم الشواهد المحصل عليها.. فهمت متأخرة.. أن قراري وقرار أبي في عدم الرحيل لم يكن صائبا.. وأن المركز لا يؤمن إلا بنفسه ومحيطه.. من قال أن اليوطي قد رحل.. وأن العنصرية ليست بيننا؟.. الانتماء للعشيرة هي عملة هذه القبيلة.. الإقصاء والتمييز وجهان لعملة واحدة.. وابنة المغرب العميق محكوم عليها بالهامش.. لن تحصل أبدا على التأشيرة.. سلامي للجيوش التي غادرت قبلي.. وسلامي للدول التي احتضنت أحلام المدينة.. الحرية لمعتقلي الحسيمة.. والرحمة والمغفرة لمن مات في البحر بحثا عن الكرامة.. لم أعد أعشق دفء أشعة الشمس كذي قبل.. لن أبرر سبب مجيئي إلى هنا بعد اليوم.. الحرية أولا.. الكرامة أولا.. الحياة أولا..

(يتبع).

نجاة بقاش

Comments

comments