محمد أمزيان: سعادة

محمد أمزيان

محمد أمزيان

تقدمت مؤخرا لوظيفة في إحدى الوزارات الهولندية. كان المكتب الذي انعقدت فيه المقابلة صغيرا، كئيبا أشبه بغرف الاستنطاق التي تظهر في الأفلام البوليسية، مناقضا تماما لمبنى الوزارة الزجاجي. بعد انتهاء المقابلة والإجابة عن الأسئلة التي تخيلتُها بناء على متطلبات الوظيفة، سألني رئيس الفريق: “هل أنت سعيد بحياتك”؟

أطرقت وكأن على رأسي الطير. تخيلت كل الأسئلة إلا سؤالا عن السعادة أو الفرح أو الرضى بما حققته في الحياة. بسرعة الضوء عدت إلى حياتي الماضية علني أعثر فيها على أثر للسعادة. ولهول ما اكتشفت أن العمر مر هكذا، بدون حياة حقيقية، فكيف تنبت السعادة في حقل ميت. مر العمر كله في محاولات ترقيع ندوب خلفها مسار حياة غريب وضعه القدر أمامي. اكتشفت أن أكثر من خمسة عقود من العمر مرت في محاولات البقاء على قيد الحياة. أألوم نفسي أم الظروف؟ ألا أغالي في هذا البوح الذي دفعني إليه ذلك الموظف في تلك الغرفة الكئيبة التي تشبه غرف الاستنطاق البوليسي؟

مرت فترة إطراق قد تكون طويلة أو قصيرة، رفعت عيني فوجدت عيونا تترقب الجواب. رئيس المستجوِبين، رئيسة القسم ورئيس قسم الموظفين الذي سبق وأن طمأنني على أن وجوده ضمن الفريق لا يعدو كونه شكليا ولن يتدخل في مضمون المقابلة. ما ذا عساي أن أقول، ومفهوم السعادة عندي خيال ووهم، بل سراب في صحراء. فلكم تخيلت أنني سعيد؛ سعيد بما حققته، سعيد بما أتخيل أنني سأحققه في ما بقي من عمر. هل ينفع هذا الجواب؟

“لقد فاجأتني بهذا السؤال”، ثم مضيت أبوح لنفسي..

نشأتُ في قرية أقرب إلى السماء منها إلى الأرض. رمَتْ بها الطبيعة بين الجبال، وتركتها وحيدة تناجي الليالي الطوال في الشتاء وقحط القلوب في الصيف. عند أقدام بؤسها توقف الزمن. ولدتُ في السجن ولم أدر لِمَ. دخلت المدرسة وعمري عشر سنوات، فما كان علي إلا أن أقضم من سنوات عمري عمرا. نمت حيث كانت تنام البهائم، وقاسمت الكلاب تشردها بين الشعاب. كنت أمشي ثماني كيلومترات إلى المدرسة يوميا تحت البرد والحر، وكم كنت أخاف من الثعابين التي تطردها الحرارة من جحورها. أخاف أن تقضم عنقي النحيف الذي يخرج من جلباب صوفي يرافقني في كل الفصول.

دخلت الإعدادية ثم الثانوية في المدينة التي حملت إليها قريتي. كنت خشنا كقريتي، يابسا بلا حياة. ثم دخلت الجامعة في مدينة قديمة بعيدة. في الجامعة اكتشفت أن حياتي السابقة لم تكن حياة. كانت توأم الموت. خطواتي الأولى في الجامعة، هي خطواتي الأولى في الحياة. في الجامعة، تعرفت على “إخوة” قذفت بهم الآفاق البعيدة ليزاحموا “جنسا” آخر من البشر؛ بشر بلباس مرتب وأحذية لا ترسو عليها الأتربة مثل أحذيتنا. حينما حصلت على “المنحة” الأولى، نبتت لي أجنحة. تخيلت أنني أحلق فوق الشارع الكبير، رأيت أشجار النخيل ثابتة تحتي، ثم تركض خلفي.

“نشأتُ في قرية هي أقرب إلى السماء منها إلى الأرض. رمَتْ بها الطبيعة بين الجبال، وتركتها وحيدة تناجي الليالي الطوال في الشتاء وقحط القلوب في الصيف. عند أقدام بؤسها توقف الزمن”

في الليلة التي أصبح فيها أمثالي “أوباشا”، كنت في الحي الجامعي. أصبحت الجامعة خاوية على عروشها، وكان علي أن أراجع مكتب الجوازات في العمالة. لم أتردد لحظة. حدجني الموظف من تحت حاجبيه. “ضع توقيعك هنا”. وضعت توقيعي حيث أمرني الموظف. أخذت جواز سفري. للمرة الثانية حلقت عاليا. إنها حقا مدينة المعجزات.

وبش.. لكنه يحمل جواز سفر!

مارس.. شهر لن أنساه. التقيت والدي بعيدا، في بلاد كانت فيها الحياة حياة. ثم عدت إلى جامعتي وبلدتي، لكنني أصبحت شخصا آخر. أدركت لماذا لم تطرق الفرحة ذلك البيت الجبلي المحاط بنبات الصبار… أدركت أن السعادة قضاء وقدر.

رفعت عيني مرة أخرى: “نعم، أنا سعيد وفخور بما حققته في حياتي”. تبسم الموظف الكبير، تبسمت الموظفة، تبسم رئيس قسم الموظفين. رسمت بسمة على وجهي، وفي داخلي يجري سيل من الهزائم.  

* المساء، 2 نوفمبر 2018

Comments

comments