محمد أحداد: البام ومتلازمة الحمامة

محمد أحداد صحيفة المساء

محمد أحداد
صحيفة المساء

ماذا كان يلزم عبد الصمد قيوح كي ينجح في انتخابات مجلس المستشارين؟ كان يكفيه فقط أن يضع ترشيحه وسيفوز بفرق كبير جدا عن حكيم بنشماس. الاستقلال خسر بفارق صوت واحد أيام كان حزب الأصالة والمعاصرة قويا متأهبا للانقضاض على المرتبة الأولى لولا أن “ولد زروال” كان له رأي آخر ولو ترشح اليوم كان ربما سيحصل على أصوات حتى من داخل البام نفسه.

لكن هذه هي لعنة السياسة في هذه البلاد: المنافسة لا ترتبط بالديمقراطية والتدافع والتشويق. لا أبدا. إنها ترتبط بالأيادي الخفية التي أصبحت ظاهرة ومكشوفة تتدخل في الحقل السياسي وتختار الزعامات وتنصب رؤساء المؤسسات بمنطق التعيين لا بمنطق الانتخاب.

بلاغ الاستقلال الذي وصفه عضو من اللجنة التنفيذية ببلاغ العار، بقدر ما كان مأساويا لإخوان علال لكنه نزل بردا وسلاما على عزيز أخنوش. لقد أصبح متيقنا أنه نجح أخيرا في إضافة حزب جديد إلى تحالفه القديم. بصيغة أكثر وضوحا: البام سيصبح ملحقة تابعة لأخنوش تماما كما حدث للاتحاد الاشتراكي في نسخته الملقحة والمزيدة.

“بعد الانتخابات التشريعية أحس إلياس العماري بطعنة الغدر وذاق من نفس الكأس التي أذاقها لخصومه وأعدائه، حيث أصبح لزاما عليه بعد أن راكم قدرا محترما من الخسارات أن يقبل بوجود بديل سياسي”

أخنوش فاعل سياسي ويحلم بما عجز عنه البام (هزيمة الإسلاميين)، ولذلك فإن دعمه لبنشماس بكل الوسائل قبل إعلان انسحاب قيوح، ليس حبا لبنشماس أو عشقا للبام، بل لأن الرجل يدرك أن التراكتور يتوفر على خزان انتخابي كبير جدا سيحتاجه في طريقه الشاق نحو رئاسة الحكومة.

بدأ ذلك فعليا بالفنيدق حيث أحجم البام بشكل مضحك عن تقديم مرشحه أحمد التهامي في مواجهة مرشح الأحرار، مسلما أصواته جزاء وفاقا..

حزب الأصالة والمعاصرة في وضعيته الجديدة مصاب بمتلازمة “الحمامة” والأدلة لا حصر لها.. أدخل نائبه البرلماني عن دائرة الحسيمة للسجن وهاجمه بشكل عنيف في الشهور الماضية محملا إياه المسؤولية – بالتلميح- عن أحداث الريف وسعى لاستقطاب العشرات من رجال الأعمال المنتمين للحزب في الشمال والجنوب والشرق. ومن حسن حظ البام أن القانون لا يسمح بهجرة البرلمانيين، لو كان الأمر على هذا النحو لصار مقره في طريق زعير مهجورا.

بعد الانتخابات التشريعية أحس إلياس العماري بطعنة الغدر وذاق من نفس الكأس التي أذاقها لخصومه وأعدائه، حيث أصبح لزاما عليه بعد أن راكم قدرا محترما من الخسارات أن يقبل بوجود بديل سياسي، لكنه قاوم إلى اللحظة الأخيرة من رحيله وليس غريبا أن يصف وقتئذ أخنوش بـ”مول البومبة غير الفاهم في السياسة”.. بمعنى آخر، تعود البام أن يكون الصديق الأول للإدارة غير أن الظروف تبدلت. وما رفضه إلياس قبله بنشماس الذي قاعدته الانتخابية: مجلس المستشارين أولا وبعدها لا يهم.. هكذا تقول المؤشرات .

مواجهة بين البام والأحرار ستندلع في أي وقت. هذا قدر محتوم لأن صعود الأحرار الذي يبدو أنه تعافى قليلا من آثار المقاطعة من 40 مقعدا إلى مئة مقعد على الأقل تحتاج إلى “شكارة” البام الانتخابية.

باختصار: الأول يريد أن يصل إلى الانتخابات التشريعية بأقل الأضرار وما يزال ينتظر “مزاج الدولة” ويحاول أن يصمد أقصى ما يمكن، والثاني يسارع الوقت لبناء آلة انتخابية فتاكة وقودها الأعيان ومحاولة استمالة برلمانيي الجرار قبل ثلاث سنوات من الاستحقاقات التشريعية، والرهان بطبيعة الحال هو الحصول على المرتبة الأولى لإزاحة العدالة والتنمية الذي تلقى ضربات قاسية يوم أعفي عبد الإله بنكيران من رئاسة الحكومة. ولاشك أن هذه المواجهة التي ما تزال في بداياتها الأولى، لن تنتهي بخير لأنهما في الأخير يصدران عن نفس القناعات وينهضان على نفس الفكرة القديمة الجديدة: إنهاء تجربة الإسلاميين في تدبير الشأن العام.

* المساء، 15 أكتوبر 2018

Comments

comments