محمد أمزيان: هل أسس الخطابي جمهورية؟

محمد أمزيان

محمد أمزيان

لعله واحد من أهم الكتب التي صدرت خلال العقدين الأخيرين عن تاريخ عبد الكريم الخطابي، والذي لم ينقطع الجدل عنه وقد لا ينقطع، ما دام هذا الكتاب الجديد للباحث المتخصص في تاريخ الريف الحديث والمعاصر الدكتور محمد أونيا تحت عنوان مثير “عبد الكريم الخطابي وأسطورة الانفصال (1921-1926): حفريات نقدية في خطاب الجمهورية الريفية” (مطبعة الخليج العربي بتطوان – يوليوز 2018)، زاد حطبا على حطب  نار الاستقطاب بين طرفين لا يلتقيان:

طرف ينفي تأسيس الخطابي لشيء اسمه جمهورية، وطرف مقابل يؤكد، على العكس، وجود أكثر من “شيء” على أرض الريف: كيان دولة ذات نظام جمهوري متكامل الأركان والأوصاف. غير أن “الوصف” هو منبع الإثارة في كتاب الدكتور أونيا أصلا. فهو لا ينفي “الكيان/المشروع” سواء أكان “إمارة” أو “دولة” أو “حكومة”، ولكنه ينفي “وصف” هذا الكيان ب”الجمهورية”.

وعلى عكس من سبقه من الباحثين في تاريخ الريف، سواء منهم من نفى وجود الجمهورية أو من أكدها، اتبع  الدكتور أونيا منهج الشك في المسلمات السابقة: “أحقا شيد البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي حكومة “جمهورية” أم حكومة أخرى لا تحمل بالضرورة تلك التسمية رغم إشاعتها”؟ (المقدمة). كان يعرف أنه “يسبح ضد التيار”، لأن فكرة “الجمهورية الريفية” أصبحت ثالوثا محرما (جمهورية – استقلال – انفصال)، وهذا في تقديري ما حاول الباحث نفيه؛ أي نفي ذلك الربط الآلي بين مطلب “الاستقلال” عن الحماية الإسبانية في نظر الباحث، وبين التطلع إلى الانفصال الذي لم يكن في يوم من الأيام مطلبا واضحا ولا مرموزا في ما خلّفه الخطابي من تاريخ. وبالتالي فإن الدولة المركزية نفسها أخطأت “فهم” الخطابي ومشروعه الذي كان يتلخص في الاستقلال عن الحماية في إطار “إمارة إسلامية” متطابقة مع التقليد المحلي والأعراف المستنبطة من التراث العربي الإسلامي.

لا يمكن اختزال الكتاب (أكثر من 380 صفحة) في مقالة معدودة الكلمات، فهو عمل أخذ من صاحبه أكثر من خمس سنوات في الحفر والتنقيب وإعادة استنطاق المصادر الأولية، وخاصة وثيقة “البيعة” العامة (1923) التي بنى عليها الباحث نظريته، مستغربا في الوقت نفسه من عدم توقف الباحثين السابقين عند مضامينها وهم يكتبون عن “جمهورية الريف”، معتبرا أن هذا المصطلح “دخيل” على الريف، وأنه من تدبير جماعات الضغط الخارجية (جماعة حدو لكحل / فرنسا وجماعة اللوه / إنجلترا)، وكانت وظيفة المصطلح محددة في مخاطبة الخارج. أما في الداخل فلم يكن المصطلح معروفا ولا متداولا إطلاقا، وفقا لخلاصات الباحث.

بيد أن هذا التفسير يدفع إلى طرح تساؤلات عدة. ماذا كان موقف الخطابي نفسه؟ هل كان يعارض مصطلح الجمهورية فحسب أم هو ضد النظام الجمهوري؟ لماذا لم يصدر مذكرة يوضح فيها – لمن كان يتحدث باسمه من الأجانب (غاردنير، كانينغ) ومن الريفيين (حدو لكحل) – موقفَه من الجمهورية (نظاما واصطلاحا)؟ هل تعمد الخطابي التغاضي عن استخدام المصطلح لمخاطبة الرأي العام الخارجي؟ لماذا؟ هل ثبت أنه منع استخدام هذا المصطلح في الريف؟ ما معنى مطلب الاستقلال؟ عن ماذا وعن من؟ هل مطلب الاستقلال عن الحماية الإسبانية يعني الاستقلال عن الحماية الفرنسية وبالتالي الاستقلال عن السلطة المركزية التي كانت بحكم واقع الحماية لاغية؟ هل عدم رغبة الخطابي في الاستقلال عن السلطان الخاضع لحماية الاستعمار الفرنسي – والاستعمار ملة واحدة عند الخطابي – كان يعني التعايش ضمن إطار الجوار مع الحماية الفرنسية؟ ماذا كان موقفه من السلطة المركزية (المخزن والسلطان)؟ هل معارضته للمخزن كانت تتضمن معارضته للسلطان؟ هل كان الخطابي يفرق بين “الحاشية” والسلطان أم أن المخزن بالنسبة إليه  منظومة واحدة؟

في الكتاب الكثير من عناصر الإجابة عن مثل هذه التساؤلات وغيرها، والتي قد يقتنع بإجاباتها البعض، وتزيد من تصلب رأي البعض الآخر، لاسيما في إطار التجاذب الحالي في الريف عقب الحراك الشبابي الذي انطلق في نهاية أكتوبر 2016، وما تزال تداعياته على الريف في علاقته بالمركز تصب في مجرى سوء الفهم الكبير.

* المساء، 11 أكتوبر 2018

Comments

comments