محمد أمزيان: النزيف

محمد أمزيان

محمد أمزيان

لا أريد أن أكون متشائما، لكن المغرب ينزف من شرايينه الشمالية. متى نعلن الحداد العام عن موت الأمل؟ بالأمس قُتلت طالبة جامعية بالرصاص الحي، وهي تحمل ما بقي فيها من حياة نحو الضفة الأخرى… وكان اسمها حياة.

لست في مقام من يحلل الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وما إلى ذلك، مختبئا  وراء مصطلحات ينطقها اللسان، ولا يعرف جدواها ذلك الإنسان الذي لم يعد له في بلاده وجود حقيقي. إنه التعبير الواضح عن فشل كل المقاربات التي حاولت أن تجعل من المواطن المغربي كائنا لا يشعر ولا يحس، لا بالجوع ولا بالقهر ولا بالانتماء. ماذا بقي للمواطن غير المغامرة والمخاطرة والسقوط في براثن اليأس. لقد عاينت بنفسي مدى الإحباط الذي اكتسح الحياة في الريف باعتباره نموذجا لهامش هامش المغرب، واستمعت بحسرة لبعض ما يدور في رأس غالبية الشباب.  بل حتى بعض المسنين لم يخفوا امتعاضهم من قتامة الأوضاع.

في الرابع من شهر يوليوز الماضي (2018)، سجلت صورة عما سمعته ورأيته عقب انتشار أشرطة فيديو توثق حركة الهجرة نحو إسبانيا، واستفسرت من بعض الراغبين في الهجرة إن كانوا لا يخشون إلقاء القبض عليهم من طرف البحرية المغربية، أو إعادتهم من قبل السلطات الإسبانية. وجاء الجواب كالصدمة: “هنا يغضّون الطرف، وهناك يستقبلوننا”. وعلى الرغم من أنني لست من أتباع نظرية المؤامرة، إلا أنني اعتقدت في حينه أن في الأمر سرا ما!!

وهذا بعض مما سجلته يومذاك تحت عنوان: “الهجرة السرية لم تعد سرية”:

“لم تعد الهجرة سرية. بعض الشباب الريفي يوثق رحلته عبر المتوسط نحو أوروبا بالصوت والصورة. وهناك من وثق لحظة الوصول والفرحة العارمة بالنجاة. النجاة ممن؟ ومن أي شئ؟

منذ وصولي إلى بيتي في نكور الريف وأنا أنهي ما تركته عدة سنوات من أعمال كي يكتمل مشروع تشييد بيت لا يريد أن ينتهي. بناء بيت أصبح مشروع حياة بكاملها.

الْيَوْمَ عندي ثلاثة شبان يصبغون، وثلاثة آخرون يثبتون حواجز الدرج (پاسا مانو). كلهم شباب يظهرون تفان كبير في العمل. يتحدثون في ما بينهم بأريحية، وحينما يطلبون مني طلبا مرتبطا بعملهم، أو شربة ماء باردة، يخاطبونني بصيغة “عمي محمد”. لا يتحدثون معي بسهولة فأحاول أن أكسر الحواجز، لينطلق اللسان.

“ماذا بقي للمواطن غير المغامرة والمخاطرة والسقوط في براثن اليأس”

- عمي محمد، هل مثل هذا العمل مطلوب في أوروبا؟

أجيب بما تيسر حتى لا أصدمهم بواقع الهجرة المرير. منهم من يهز رأسه موافقا على مضض، ومنهم من تُظهر قسمات وجهه اعتراضا واضحا.

هذا الشاب الذي يحاول غرز أعمدة الدرج كان أكثر صراحة: “في فصل الصيف نُصاب باختلال في العقول، وفِي باقي الفصول نكون مرتاحين، نعمل ما تيسر ونعود إلى بيوتنا. في مثل هذا الوقت نُفتتن في بالنا ووجداننا بسبب هذه السيارات الجميلة التي تأتي من الخارج”. أكاد أبصم له بالعشرة، وأحاول في ذات الوقت، أن أشرح له أن صاحب مهنة (صنعة اليد) لن يضيع جهده حتى في بلده، شريطة أن يعمل بصدق، وأن أوروبا ليست “جنة” كما يعتقد الكثيرون. أما أصحاب السيارات الفاخرة فلهم أسبابهم الخاصة لاستقدامها معهم، وليس كل من جاء من “الخارج” أتى بسيارة فاخرة.

يظهر أن عقل الإنسان يختار الصور التي يريدها صاحب ذلك العقل، فيركز عليها ويضخمها ويضفي عليها كثيرا من الرومانسية. مثل هؤلاء لا ينفع معهم منطق مضاد أو صور مناقضة لصورهم.

ستة شبان في مقتبل العمر، منهم من لم يقفل عامه العشرين بعد.. جسمهم هنا وعقلهم هناك في الجنة الموعودة. أتفهم جيدا اندفاعهم ورغبتهم في ترك الجمل هنا بما حمل. “أنتم هناك أحرار على الأقل”، يقول شاب منهمك في ترقيع فجوة أحدثها زلزال مر من هنا.

الحرية.. لعل هذا هو مفتاح كل شئ. الحرية هي قاطرة الإبداع والعطاء. كل ما أخشاه أن أرى يوما شريطا يوثق رحلة هؤلاء الفتية نحو المجهول”.

المصدر: المساء، 2 أكتوبر 2018