لبيب فهمي: الريف..

لبيب فهمي - إعلامي مغربي

لبيب فهمي – إعلامي مغربي

حلموا.. بوطن يتسع للجميع. وطن يفتح ذراعيه ليحضن خيرة شبابه ويعد لهم مستقبلا واعدا بعد سنوات من البطالة واليأس. أعدوا مطالب اجتماعية واقتصادية بحجم فسحة أمل. مستشفى. جامعة. عمل. كرامة. لم تكن المهمة سهلة. فالريف يحتاج إلى الكثير، لكنهم اختاروا القليل. فانتقلت عدوى الحلم إلى الآلاف في هذه المنطقة المنكوبة تاريخيا. واعتقد الكثيرون أن المستحيل ممكن وأن هجرة الوطن للبحث عن العيش الكريم قد أصبحت من بقايا تاريخ مشؤوم. سنبقى هنا ونعيش هنا ونحلم هنا ونحقق أحلامنا هنا. هكذا كان الشباب يرددون. بينما كانت قوارب الموت تجوب عرض المتوسط فارغة.

ناضلوا.. وأبدعوا في نضالهم. سلمية. ديموقراطية. مدنية. شموع. طنطنة. مسيرات. حفاظ على الممتلكات العامة والخاصة. نساء. أطفال. رجال. شباب وشباب وشباب. جموع عامة في الساحات العمومية والمقاهي على مرأى ومسمع من الجميع. اتخاذ القرارات بشكل ديمقراطي. تجمعات عفوية تحت اسم «الشن الطن». شعارات جميلة. أغاني. أشعار. مواطنون أصبح الحراك جزء من حياتهم. وحراك تجاوز عتبات المنازل دون تردد ليستقر في القلوب. وغيرنيكا بيكاسو للتذكير.

“محنة الريف الفعلية تتجلى في غياب رؤية براغماتية تعتمد العقلانية لتنقذ الريف والوطن. فالريف في حاجة إلى تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية تمنحه الثقة في المستقبل”

اتهموا.. بالانفصال. الاستقواء بالخارج. وغيرها كثيرا. التهم كانت جاهزة. والمواقع إلالكترونية وأشباه الجرائد والمحللون جاهزون أيضا لبث السموم. فالريف وحده كان قادرا على توحيد سياسيين للتوقيع على وثيقة العار. وثيقة وجهت اتهامات ثقيلة للريف والريفيين ومهدت الطريق للقمع.

قمعوا..آلة القمع لم تكن تحتاج إلى تشحيم. فقد كانت مستعدة لانتهاك حرمة الجمعة المباركة وأيام العيد لتقمع وتعتقل فلذات أكباد عشرات العائلات.. وتحول الريفي إلى «أولاد السبانيول» و«الأوباش».. مرة أخرى. وكأن التاريخ مُصر على أن يعيد نفسه. أو يستمر. في أي سنة نحن ؟

سجنوا.. في كل سجون الوطن. بعيدا عن العائلات. بعيدا عن الريف. من يدري. فربما يشفي الإبعاد عن الريف من داء المطالبة بالحق في المواطنة. قد يسكت. ينسي… عين. كاف. ألف. شين. تاء. (عكاشة) حروف احتوت جدرانها آمالا وآلاما. حروف تحولت إلى كلمة السر لمستقبل أصبح مضببا.

حوكموا.. قرون. سنوات. أشهر. كل المقاييس الزمنية أصبحت ممكنة للنطق بحكم جائر. حكم لإخفاء حقيقة براقة. براءة المعتقلين. حكم أعاد الوطن إلى الوراء..

أعترف بأن هذه الخربشات لا ترقى إلى مستوى الوضع الذي يعيشه الوطن والريف. ولكنني أعترف أيضا بأنني، رغم محاولاتي العديدة، لم أستطع أن أجد الكلمات المناسبة والدالة التي تمكنني من التعبير عما يخالجني بعد النطق بالأحكام. فاللغة لم تعد تسعفني في خط ما أريد. أحس بأن الكلمات تخذلني. والحروف لا تجتمع كما أتمنى. والورقة البيضاء لا تحتمل سوى كلمة واحدة. الريف..

أكرر مرة أخرى ما كتبته من قبل. محنة الريف الفعلية تتجلى في غياب رؤية براغماتية تعتمد العقلانية لتنقذ الريف والوطن. فالريف في حاجة إلى تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية تمنحه الثقة في المستقبل. مستقبل في مغرب يقبل بمواطنين أذكياء يطالبون بحقوقهم عبر الوسائل السلمية والحوار.

Comments

comments