لبيب فهمي: جزاء الخير

لبيب فهمي - إعلامي مغربي

لبيب فهمي – إعلامي مغربي

عندما تلتقيه لأول مرة لا تبدو على الفرنسي، بيار، أي علامات مرض. فالرجل ضحوك ويحب الحياة بشكل يثير الغرابة وبالأخص مستعد لمساعدة الجميع؛ إذ لم يمنعه مرض السرطان الذي يعاني منه منذ مدة من مواصلة حياته بشكل عادي جدا، إذا كان لهذه العبارة الأخيرة معنى في حياة مصاب بالمرض اللعين.

ويؤكد جميع أصدقائه القدامى بأن بيار لم يتغير. “لقد كان أول من يثير كل الأحداث السياسية التي عرفها العالم عندما نلتقي للعشاء معا ساعيا إلى فتح نقاش مع الجميع المتفق معه والمخالف له”، يقول محمد، أحد أصدقائه المغاربة. أما زوجته البلجيكية، فرانسواز، فحيويتها ومواقفها جعلتها المرأة التي تشارك زوجها ندا لند في كل شيء، والتي لا تكتفي بالنقاش والحوار ولكن تطالب بالفعل. لأن “النوايا الحسنة لا تكفي”، كما تردد.

ولم يفوت بيار وفرانسواز فرصة أزمة المهاجرين القادمين حديثا إلى بلجيكا ليس فقط لإثارة النقاش مع أصدقائهما، ولكن أيضا للمشاركة في عملية إيواء المهاجرين التي أطلقتها مجموعة من الناشطين في بروكسل خلال فصلي الخريف والشتاء.

وكانت جمعية “منصة المهاجرين”، قد أطلقت دعوة إلى المواطنين لاستقبال المهاجرين الذين يلتحفون السماء في إحدى حدائق بروكسل في جو ممطر وبارد ليوم واحد أو أكثر بحسب إمكانياتهم، في انتظار إيجاد مأوى دائم لهؤلاء. دعوة استنكرتها الحكومة البلجيكية وهددت المشاركين فيها، على لسان وزير الداخلية، يان يانبون، ووزير الدولة لشؤون الهجرة واللجوء، تيو فرانكن، بتطبيق قوانين صارمة في حقهم عبر تحميلهم تهمة “الاتجار بالبشر”. لكن ذلك لم يُثنِ مئات البلجيكيين من تقديم الدعم للمهاجرين، ضاربين عرض الحائط بهذه التهديدات الموجهة من وزراء أعضاء في حزب قومي يميني متشدد بدعم من الحزب اللبرالي.

وكان اليوم العادي للزوجين خلال هذه الفترة يمر بشكل روتيني. عند مغادرتهما للعمل، يتكلف الواحد منهما بأخذ صغيرتهما، كريستين، من المدرسة، بينما يتوجه الثاني إلى الحديقة لمنح الاستضافة لمهاجر أو عائلة كاملة. وذلك بشكلي يومي. عند العودة إلى المنزل يسهر أحدهما على إعداد طعام العشاء بينما يتكلف الآخر باستقبال الضيوف. وﻷن أصول هؤلاء الضيوف تكون في الغالب سورية أو من بلدان مسلمة أخرى كأفغانستان والسنغال، فقد تعلم الزوجان إعداد طعام يحترم الشريعة الإسلامية. ورغم وجود قنينات الخمر في منزلهما فإنهما يتفاديان شربها مع ضيوفهم احتراما لمشاعر هؤلاء.

لم يكن فرنسواز وبيار ينتظران  شكرا من أحد ولا حسنات في آخرة ما. فهما يطبقان عمليا مبادئ يؤمننان بها وهو أكبر جزاء بالنسبة لهما. لكن عندما عادت ابنتهما، كريستين، ذات السادسة من العمر، يوما باكية من المدرسة، رافضة الرجوع إليها مرة أخرى، حزنا بشكل كبير عندما عرفا السبب.

فالمدرسة التي اختاروها، عن وعي، لابنتهما يرتادوها جزء كبير من التلاميذ من أصول مسلمة.   مدرسة مختلطة بامتياز. وكريستين، البلجيكية الوحيدة في قسم جل تلامذته من أصول مسلمة، أخبرها أصدقاؤها التلاميذ بأنها ستدخل جهنم لأنها كافرة مع وصف دقيق لعذابات النار. وهو ما أدخل الفزع في قلب الصغيرة من جهنم ومن المدرسة.

والسؤال المطروح هو من عرف هؤلاء الأطفال بجهنم وعذابها. والجواب هو في الغالب الوالدان أو أستاذ التربية الاسلامية الذي تدفع له الدولة البلجيكية راتبه من ضرائب جميع المواطنين. وفي كلتا الحالتين فالوضع مقلق.

بيار وفرانسواز قررا سحب كريستين من دروس الأخلاق العلمانية وتسجيلها في دروس التربية الاسلامية لتتعرف بشكل جيد على ثقافة أصدقائها. وهو ليس الحل الصحيح بحسبي…ولكن تلك حكاية أخرى.

Comments

comments