محمد أحداد: “لا نسيان ولا غفران”

  • 0
محمد أحداد صحيفة المساء

محمد أحداد
صحيفة المساء

بعض المناضلين عندنا في المغرب لم يفهموا بعد أن القضية الفلسطينية لا يمكن أن تتجزأ عن نضالات الإنسانية ضد القهر والظلم والعنصرية والتطهير العرقي، وأن الأمر لا علاقة له لا باليسار ولا باليمين ولا بالعروبة ولا بالأمازيغية ولا بأي شيء آخر. لم يفهموا أن هناك بشرا في أقصى الأرض يدافعون عن القضية الفلسطينية ولا تربطهم بالعروبة إلا ما يربط هؤلاء الذين دعوا لمسيرة فلسطين في عز المقاطعة بالنضال.

قبل أيام من الآن زرت لبنان، التقيت المسيحيين والسنيين والشيعيين والدرزيين وجميع المنتمين إلى الطوائف، يختلفون في كل شيء تقريبا إلا هذا العداء لإسرائيل، ولهذا النظام العنصري الذي يقتل الأطفال والشيوخ ويتحدى جبن منظومة دولية فاسدة.
مناهضة العنصرية وعقلية “الأبارتايد” الصهيونية لا تخضع للتصنيف الطائفي والديني في لبنان، لأنه حينما اجتاحت إسرائيل بيروت سنة 1982، لم تكن آلة الدمار تختار: هذا مسيحي أو هذا مسلم وهذا درزي بل كانت تسحق كل شيء، وتدمر المنشآت الحيوية والجسور وتدك أجسام الأطفال في التراب، وحينما كانت الطائرات تغير على الناس في الجنوب والشمال والوسط لم تكن تقيم التمايز بين الديانات والطوائف، بل كانت تطمر المناطق المسحية والمسلمة وتقتل التقدميين والمحافظين والملحدين أيضا.
نظام الأبارتايد في إسرائيل لا تهمه الحساسيات ولا الثقافات ولا السحنات في لبنان وفلسطين المحتلة وسوريا وفي كل المناطق التي تحتلها، هو مفطور على غريزة الموت لإثبات التفوق العرقي وإحقاق الميراث اليهودي القديم واحتلال أراض جديدة، ولا تهمه أبدا أن تسقط القنابل على نساء مسيحيات في جونية المسيحية أو في غزة المسلمة أو في الجنوب الشيعي وفي الوسط السني.
سألت صديقا لبنانيا مازحا: لم كل هذا الحقد ضد دولة جار يمكن أن يكون بها مناهضون للسياسة الإسرائيلية ومناهضين للحرب؟ يجيب ومن انتخب هؤلاء الساسة الذي يعلنون قرار الحر ب.. يقينا نزلت في مطار رفيق الحريري؟ أقول: نعم. المطار بعيد جدا عن ساحة المواجهة في الجنوب، وهو البوابة الوحيدة للبنان على العالم، تعرض لقصف عنيف أثناء حرب 2006 التي انتهت بخسارة مدوية للكيان الصهيوني.. وهل تذكر ذلك الجسر الذي عبرنا منه قبل قليل؟ أنا نعم. لقد خرب بالكامل خلال الضربات الأولى لإسرائيل تماما كما خربت عشرات الجسور التي قطعت أوصال الحياة لسنوات.
ثم يشرع صديقي في عد المجازر والمذابح التي تورط فيها نظام شيد تاريخه على الدماء ويعد أسماء العائلات ويحكي عن اللحظات المروعة لعدوان 2006 على لبنان حيث كان بالنبطية جنوب لبنان يشتغل مراسلا حربيا. فلسطين جرح إنساني، لكن في لبنان جرح إنساني ولعنة لذاكرة مشحونة بالصور والغارات والموت والدم والأصوات والاغتيالات، وهي الذاكرة التي ترفض الشعوب المحتلة أن تمحى لأنها تواجه شعارا صهونيا قديما  “لو نشكاح فلو نسلاح – لن ننسى ولن نصفح- ” بشعار “لا نسيان ولا غفران”.
“نظام الأبارتايد في إسرائيل لا تهمه الحساسيات ولا الثقافات ولا السحنات في لبنان وفلسطين المحتلة وسوريا وفي كل المناطق التي تحتلها”
لنتأمل قليلا هذا المقطع لسميح القاسم في محاورات قاسية مع شاعر آخر هو محمود درويش:
“فما الذى كان وما هو الكائن وما الذي سيكون بعد إذ صعقوا مخيلة طفولتنا عام 1948 وصعقوا مخيلة فتوتنا عام 1956 وصعقوا مخيلة شبابنا عام 1967 وقايضونا عين جالوت بكامب ديفيد، والحبل على الأعناق. خانوا ذاكرتنا، بملوكهم ورؤسائهم وحكوماتهم ومؤسساتهم. خانوا ذاكرتنا شعبا وجيلاً وشعراء وأباحوا لأنفسهم انقصافنا مثل قصبة هشة أمام عاصفة الوكالة اليهودية والكومنولث وجامعة انتونى ايدن العربية؟
لا بأس عليك، لا بأس علي، علينا أن نرمم الذاكرة”.

Comments

comments