لبيب فهمي: كارل ماركس والمقاطعة

  • 0
لبيب فهمي - إعلامي مغربي

لبيب فهمي – إعلامي مغربي

تحل هذا الأسبوع، السبت الخامس من ماي، الذكرى المئوية الثانية لميلاد المفكر كارل ماركس. وإذا كان الغرب الرسمي – الديموقراطي –  يسعى بكل ما أوتي من قوة إلى تفادي أي تذكير بهذه الشخصية أو تنظيم احتفالات بهذه الذكرى، فإن فكر ماركس مازال يفرض، رغم ذلك، نفسه على العالم أكثر من أي وقت مضى.

فالحياة السياسية تتخللها دائما مفاهيم ركز عليها المفكر الألماني، كرأس المال والعمل والاستغلال والطبقات الاجتماعية والديالكتيك والبرجوازية. كما تحقق المنظمات والأحزاب التي تتبنى المنهجية الماركسية في بعض الأحيان نجاحًا مذهلاً، كما يحدث في بلجيكا مع حزب العمل البلجيكي.

ويتناقض هذا مع إعلان البعض، بعد سقوط جدار برلين ونهاية التجربة الشيوعية في الاتحاد السوفييتي، عن موت الماركسية؛ إذ لم يتمكن انتصار الليبرالية السياسية والاقتصادية ونهاية تجربة أوروبا الشرقية، من حذف فكر ماركس من الثقافة السياسية. فعلى العكس من ذلك، تحول الفكر الماركسي إلى جزء رئيسي وأساسي من الفكر النقدي العالمي، سواء عند المؤيدين لهذا الفكر أو المعارضين له، خاصة وأن بداية القرن الحادي والعشرين أبرزت أن  كارل ماركس وفكره ما زالا ضروريين.

فمباشرة بعد الأزمة المالية التي عرفها العالم في عام 2008 خصصت أكبر الصحف الليبرالية البلجيكية، ليكو، مقالا حول ماركس. خلاصته أن المفكر الألماني كان على حق في تفسيره لعمل ووحشية الرأسمالية. المقال لم يثر أي زوبعة في ذلك الحين، إذ كان الاقتصاديون الليبراليون ما زالوا يعتقدون أو يتوهمون بأن السوق وحدها ستؤدي مهمة التصحيح، وتعود الأمور إلى وضعها الطبيعي. وهو ما لم يحدث رغم مرور عشر سنوات على الأزمة. فالمآسي الإنسانية استمرت، فيما الأغنياء ازدادوا غنى خلال نفس الفترة.

على العكس من مقال الصحيفة البلجيكية، أثار مقال نشر في فبراير من هذه السنة، في إحدى نشرات بنك ناتيكسيس، المقروءة بكثرة في القطاع المالي والبورصة، نوعا من الدهشة وردود الفعل. فتحت عنوان “ديناميكية الرأسمالية حاليا هي التي تنبأ بها ماركس” كتب أحد الاقتصاديين، معززا بالأرقام والرسوم البيانية، بأن الأزمة الحالة يمكن تفسيرها بانخفاض مردودية رأس مال الشركات، مما يدفعها إلى خفض الرواتب. غير أن عدم إمكانية الاستمرار في هذا الاتجاه إلى ما لانهاية يدفع رأس مال إلى المضاربات المالية والعقارية والبورصة المربحة بشكل أفضل، ولكنها عملية تواجه أزمات متتالية ويمكن لها أيضا أن تكون خاسرة ومدمرة.

رغم المواقف الرسمية، فثقافيا وفكريا سيكون شهر ماي شهرا ماركسيا بامتياز.  فكل الصحف بدأت في تخصيص مقالات عن حياة وأعمال كارل ماركس. ومنها من أصدر عددا خاصا كما هو حال صحيفة لوموند الفرنسية. بينما لا تخلو قناة غربية من برنامج عن هذه الشخصية التي جمعت بين الاقتصاد والسياسة والفلسفة. فماركس في نظر الكثيرين لم يعد تلك الشخصية المخيفة، ولكن جزء من الإرث النقدي العالمي.

تغيرت أشياء كثيرة منذ زمن كارل ماركس، سواء في تنظيم العمل أو في آليات الإنتاج كما في أشكال الائتمان وفي عولمة رأس المال والسيطرة المفرطة للقطاع المالي. لكن كما كتب ماركس “إنهم جميعا يريدون المنافسة دون عواقب المنافسة. كلهم يريدون المستحيل، أي ظروف الحياة البرجوازية دون العواقب الضرورية لهذه الحياة”. مقولة تصدق على المناهضين للمقاطعة في المغرب. فهم اعتادوا العيش في رفاهية وتطبيق قوانينهم وقرارتهم على شعب مسحوق، ناسين أن الشعب قد يسعى يوما إلى الحياة ويفرض على القدر أن يستجيب.. ولكن تلك حكاية أخرى.

Comments

comments