لبيب فهمي: سرطان التخوين

  • 0
لبيب فهمي - إعلامي مغربي

لبيب فهمي – إعلامي مغربي

في غمرة اللقاءات والاجتماعات التي كانت تعقد في بروكسل لتنظيم الندوات وإصدار البيانات التنديدية خلال سنوات الرصاص، التقيت مناضلا قديما لم أعد أتذكر اسمه، كان معروفا بحكمة ما زالت تتردد على مسامعي. “لو أننا – اليسار – استأجرنا طائرة أو هيلكوبترا وسكبنا كل البيانات التي كتبناها طيلة سنوات النضال فوق الرباط، لربما تمكنا من تحقيق شيء بدل توزيعها وانتظار التغيير”.

كانت المقولة معبرة عن مدى الهوة التي تفصل بين طريقة العمل – أو جزء منها – التي اتبعناها لمدة طويلة غير مدركين لا جدواها وتعامل السلطات المغربية الذي اعتمد على القوة والترهيب، وعلى الأصدقاء في الغرب.

آنذاك، كان اليسار – رغم أطيافه المتعددة – يناضل بكل ما أوتي من قوة متأكدا من عدالة قضيته. فالديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية مطالب لا يمكن أن يُختلف عليها. وكان مبدعا في اختيار الأسماء لمنظماته: إلى الأمام، لنخدم الشعب، 23 مارس، الاختيار الثوري… كما كان منتجا فكريا إذ أصدر الكثير من المجلات والمنشورات وحتى الكتب.

“الوضع مقلق ويحتاج إلى التفكير بجدية في ما آل إليه حراك الريف بالخارج. فالعديد من المشاركين في هذه الحملات عبر أحدث التقنيات التكنولوجية، ينضمون بوعي أو بدونه إلى نشر مرض قد يصعب التعافي منه”

خلال هذه المرحلة التاريخية، كان جزء كبير من الجالية المغربية المقيمة بالمهجر والملتحقين حديثا، يواصلون حياتهم بشكل طبيعي وذلك من حقهم. ومع بداية العهد الجديد والآمال التي حملها، إن لم تكن في تغيير كامل فعلى الأقل في إصلاح منشود، فقد الكثير من هؤلاء المناضلين البوصلة. فبينما اختار بعضهم التشبث بمواقفهم السابقة حتى وإن تطلب ذلك الموت في المنفى، اختار العديد سياسة “منح الفرصة” في حين لم يتردد البعض في “الاستفادة من الفرصة”.

وبعد حوالي عشرين عاما يبدو اليسار للكثيرين غير مرغوب فيه في هذا البلد، لأنه أكبر “بياع للماتش”. فانضمام جزء من أعضائه إلى المنظومة المخزنية بكل تلاوينها بل وتبريرهم لذلك بحداثة متلونة، دفع البعض إلى النفور من اتجاه إيديولوجي أصبح كل هم بعض أعضائه هو دعم المخزن، واتهام الآخرين بالغباء أو الغياب المزمن للبراغماتية.

لكن الغريب أن من يتهم اليسار بكل الآفات، وهي موجودة فعلا، لا يقترح أي بديل. وينسى الكثيرون من المنتقدين والمشككين أن اليسار فكر يحمله بشر. الفكر خلاصة مبادئ تتعلق بالحرية والكرامة والديموقراطية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية… والبشر كائنات تختلف جذريا عن الملائكة، فمنهم المتشبث بالمبادئ والمنافق والانتهازي.. ولا يمكن بحال من الأحوال أن يعبر تعامل البشر عن جوهر الفكر، وإلا فعلينا أن نضع كل عقيدة (الإسلام، المسيحية…) وإيديولوجية (اليسار، الليبرالية…) وحتى أي نظام فكري كيفما كان في سلة المهملات، لأنه يوجد بالتأكيد أكثر من شخص يتعامل بشكل يناقض الفكر أو العقيدة أو الإيديولوجية التي يدعي الانتماء إليها.

والأكثر غرابة أن الذين ينتقدون اليسار يطالبون أعضاءه بالتنصل من ماضيهم والانتماء إلى هيولى لم تحدد بنوعها أو بحمولتها أو بأهدافها ولكن فقط بأنها تمتلك الحقيقة المطلقة. يحدث هذا عند جزء من ناشطي حراك الريف في أوروبا. مما أدى إلى انتشار حملات التخوين في حق الكثيرين ليتحول سير التحركات والسهام من النضال ضد السلطة، إلى استهداف صدور مناضلين لم يكن يهمهم سوى المشاركة في دعم حراك شعبي كل حسب طاقته وجهده، ومنهم المتشبث بالمبادئ والمنافق والانتهازي.. في وقت يحتاج الحراك إلى الوحدة وليس التشرذم.

الوضع مقلق ويحتاج إلى التفكير بجدية في ما آل إليه حراك الريف بالخارج. فالعديد من المشاركين في هذه الحملات عبر أحدث التقنيات التكنولوجية، ينضمون بوعي أو بدونه إلى نشر مرض قد يصعب التعافي منه.. فهل يدركون ذلك قبل فوات الآوان، أم أن هذا الكلام تغريد خارج السرب… ولكن تلك حكاية أخرى.

Comments

comments