محمد أمزيان: العقل والقرابين

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

“بعد الليل حل الصباح”.. هذه العبارة البسيطة التي أوردها ميلان كونديرا في إحدى أعماله الروائية، قد لا تعني أي شيء فلسفي أو أدبي، بحكم أنها تصف ظاهرة طبيعية معروفة ولا تحتاج إلى دليل أو برهان عقلي. وقد تعني عند البعض نوعا من التفاؤل؛ إذ بعد أن يمضي الليل بكوابيسه المزعجة، يحل الصباح وتُفتح أبواب الآمال مُشرعة أمام ميلاد جديد ومستقبل واعد بالفتوحات والإنجازات. وقد تعني عند آخرين أن لا شيء يتغير، فكما يتعاقب الليل والنهار في حركة ميكانيكية رتيبة، يتعاقب الشيء واللاشيء في حركة ميكانيكية رهيبة.  

لنتفق (مؤقتا) أن هذه المقولة تعبر عن “التفاؤل” ونتصور أن ليل الحياة مهما تكبر وتجبر، يمكن تجاوزه  بقليل من الفطنة والتحايل. ولنفترض أنفسنا سعداء جدا؛ سعداء في العمل، سعداء في السرير، سعداء في الشارع حيث تتقاطر الابتسامات والانحناءات والاحترامات، سعداء بما حققناه من أعمال تنفع الناس، سعداء مع أطفالنا الذين نراهم يكبرون أمامنا، ويروننا نشيخ؛ نستنبت التجاعيد والشيب فيعتقدون أننا صرنا حكماء. ألم يعلموننا ونحن صغارا أن العقل والحكمة مقترنان بالشيب والتجاعيد؟

“إنه لأمر صعب أن يصبح الإنسان أسير نفسه وعقله وعقليته. فحتى إن حاولتَ التمرد، فعلى من تتمرد؟ وإن حاولتَ قتل العدو، قتلت نفسك”

وحتى لا تذهب حكمة البعض بعيدا فيؤول هذا الكلام على أنه غمزٌ نحو السياسة، وأن لا شيء تغير أو يتغير، وأن صباحنا السياسي مثل ليله، كالح الظلمة يمشي متهكما على أحلامنا، أود أن أوضح أن الأمر متعلق بمساري أنا ككائن قُدر له أن يحيا دون أن يعيش حياته. عادة ما أطرح على نفسي هذا السؤال: ماذا قدمت لحياتي؟ وبماذا سيذكرني من أصبح بحكم القدر نسلي؟ لا شيء..

فأنا لم أستفد من التعليم الذي تلقيته كي أفتح معالم أخرى في الطريق، غير المعالم المرسومة لي سلفا. ولم أغتنم من فرصة الهجرة إلى بلد متقدم تقنيا وعلميا وفكريا.. لأتعلم كيف أفكر بطريقة أخرى، أنظر إلى الأشياء بعين يقظة، أكسب مهارات من سبقنا إليها بالتضحية والكفاح إلى أن أصبح المجتمع يعيش الحياة التي أضحى يعيشها؛ حرا طليقا مثل طائر يحلق عاليا بأجنحة لا تزيلها الليالي العجاف. كان بإمكان الهجرة أن تتحول إلى صباح جديد لي، أن تنبت لي أجنحة أطير بها حرا، أن تفتح لي عيونا أخرى على حقائق أخرى وحيوات أخرى.. إلا أنني آثرت أن أحمل معي وزر المكان الذي هاجرت منه.. هاجرت وزادي بئيس: شذرات من ماضٍ خامل، وفكر جامد وأوهام كثيرة.

ماذا لو قدر لي أن أبدأ من جديد؟ سأقوم بنفس ما قمت به قبل ثلاثين سنة. سيبقى ذلك الماضي يأسرني، وتلك الثقافة ترهقني، وذلك الوهم يوهمني أن الصبح سيحل من تلقاء نفسه. فالمسألة في المُحصلة، ليست في تغيير المكان، ولكن جوهر القضية هو تلك العقلية التي كلّستها التقاليد والعادات، وجمّدتها العقائد المُمجدة للوهم والتفاخر بالبطولات المتخيلة والتنابز بالألقاب. لا أقصد العقائد التي تستمد وجودها وشرعيتها من الأديان فحسب، بل أخص كذلك تلك التي تنبني على فكر دعا في زمن ما إلى التحرر، قبل أن يتحجر في ذهنية من لا يريد أن يتحرر، ويصبح فكرا مطلقا يتقوقع فيه من يؤمن به لدرجة العمى والتقديس.  

إنه لأمر صعب أن يصبح الإنسان أسير نفسه وعقله وعقليته. فحتى إن حاولتَ التمرد، فعلى من تتمرد؟ وإن حاولتَ قتل العدو، قتلت نفسك. وربما هنا مكمن العلاج: قتل الذات، كما فعل من سبقنا وقتل “الأب” في ذهنه ليبدأ حياته مستقلا، حرا، سيّدا لصباحاته. بالنسبة لي، وبالنسبة لمن هو على شاكلتي، لا يحل صباح التغيير والتفاؤل والاستقلالية الفكرية بدون ألم المخاضات. العقل الحر يحتاج إلى قرابين.

* المساء، 20 أبريل 2018

Comments

comments