لبيب فهمي: كارليس بوجديمونت يمتحن قيم الاتحاد الأوروبي

  • 0
لبيب فهمي - إعلامي مغربي

لبيب فهمي – إعلامي مغربي

منذ بدء تنفيذ التشريع الأوروبي بشأن مذكرة الاعتقال الأوروبية، في عام 2003، تعد كل الدول الأعضاء ملزمة بتنفيذ أوامر القبض والتسليم. تشريع يسعى، بحسب واضعيه، إلى تحديد هدف رئيسي هو توحيد الإجراءات وتسريعها. وقد نقل التشريع الأوروبي اختصاص اتخاذ قرار في هذه الملفات إلى السلطة القضائية وحدها، بعد أن كان قرار تسليم شخص ما يعود إلى السلطة التنفيذية، أي إلى السياسيين.

ولتطبيق هذه المعاهدة يفترض ضمنيا وجود ثقة متبادلة تسود بين الدول الأوروبية وأن جميع النظم القضائية لهذه الدول تعمل بشكل صحيح. وتوفر التشريعات الأوروبية، كغيرها من التشريعات في بلدان ديمقراطية، أسبابا أخرى لرفض قرار التسليم. فمن أسباب الرفض التي يمكن لقاضي التحقيق التذرع بها، لعدم تنفيذ أمر اعتقال أوروبي، هو خطر انتهاك الحقوق الأساسية المكرسة في الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان والمتعلقة بالحق في الدفاع، وحرية التعبير، وعدم التعرض لمعاملة لاإنسانية ومهينة، وما إلى ذلك. وهو ما یترك دائما هامشا من السلطة التقديرية لقاضي التحقيق. كما توجد طريقة أخرى يمكن أن يعتمد عليها الدفاع تتعلق بشرط التجريم المزدوج، وهو ما يعني بأنه لا يمكن تسليم شخص من دولة إلى أخرى ما لم تكن الجرائم التي يحاكم بموجبها موجودة في قوانين البلدين. فرغم وجود جرائم مثل التمرد والفتنة واختلاس الأموال في القانون البلجيكي، فإن الفتنة، على سبيل المثال، ليس لديها نفس التفسير القانوني في القانون الإسباني ونظيره البلجيكي، إذ لم تتم مراجعة تعريف القانون البلجيكي للفتنة منذ قرنين. مسار اعتمده محامو بوجديمونت لتفادي تسليمه إلى السلطات الإسبانية من قبل بلجيكا.

“لم تواجه الدول الأوروبية، منذ بدء تنفيذ التشريع الأوروبي بخصوص مذكرة الاعتقال الأوروبية، مثل هذا الملف المعقد. الأمر يتعلق بامتحان حقيقي للقضاء الأوروبي خاصة فيما يتعلق بنزاهته واستقلاليته”

وقد تكرر نفس الشيء في ألمانيا عنما قرر قضاة محكمة شليزفيغ هولشتاين الإقليمية، المنطقة التي اعتقل فيها بودجيمونت في 25 مارس، بأن تهمة التمرد المسجلة على مذكرة التوقيف الأوروبية لا يمكن قبولها ضد المتهم، وذلك لعدم وجود المصطلح في القانون الألماني. إذ لم يجد القضاة مرادفا قانونيا للتهمة وهو ما دفعهم إلى رفض الطلب الإسباني، وهو ما يعد انتصارا قضائيا مهما للرئيس السابق لكاتالونيا. فحتى في حال تسليمه لا يمكن محاكمته في إسبانيا بسبب التمرد، الأمر الذي من شأنه أن ينقذه من عقوبة قاسية تصل إلى 30 سنة من السجن، بل فقط بدعوى اختلاس الأموال العامة لتنظيم استفتاء الاستقلال، وهو ما يعرضه لحكم ب 8 سنوات فقط.

ملف بوجديمونت كاد أن يتسبب في أزمة سياسية بين بلجيكا وإسبانيا. كما تسعى حاليا ألمانيا إلى تفادي أي تسميم للعلاقات بين مدريد وبرلين. فالحكومة الألمانية تواصل الدفاع عن الموقف الإسباني مع التشديد على احترام قرار العدالة لتجنب التدخل في هذه القضية الحساسة سياسياً.

ولم تواجه الدول الأوروبية، منذ بدء تنفيذ التشريع الأوروبي بخصوص مذكرة الاعتقال الأوروبية، مثل هذا الملف المعقد. الأمر يتعلق بامتحان حقيقي للقضاء الأوروبي خاصة فيما يتعلق بنزاهته واستقلاليته. فالاتحاد الأوروبي الذي يمول مجموعة من البرامج التكوينية لتعزيز استقلالية ونزاهة الأنظمة القضائية خارج أوروبا، والذي يردد دوما ضرورة احترام حقوق الإنسان، يجد نفسه لأول مرة أمام امتحان عسير يخص مصداقية قيمه الدمقراطية. كما أن التكتل الذي لا يتردد في الاعتراف بدويلات صغيرة لتمزيق إرث الاتحاد السوفياتي ويوغوسلافيا مثلا، عليه تفسير، يوما ما، سبب رفضه فكرة الاستقلال عندما يتعلق الأمر بمناطق داخل حدوده… ولكن تلك حكاية أخرى.

Comments

comments