لبيب فهمي: تحية لستيفان هاوكينغ

لبيب فهمي - إعلامي مغربي

لبيب فهمي – إعلامي مغربي

«سيرة موجزة للزمن»، كان أول كتاب اقتنيته، مع مجموعة من الكتب الأخرى دفعة واحدة، عند وصولي إلى بلجيكا رغم فرنسيتي الضعيفة آنذاك. كنت أعشق كل ما قرأته، في الصحف وبعض المجلات من قبل، عن ستيفان هاوكينغ. ولقد أثارت وفاة ستيفن هاوكينج  مجموعة من ردود الفعل من التهكم والتهجم على الملحد، عند بعض غلاة التدين، إلى احتفاء يضاهي النجوم الكبار لدى الكثيرين.

ولإبراز مدى أهمية هذه الشخصية، لنا جميعا، علينا أن نقف على جوانب مختلفة من حياته. فستيفان هاوكينغ تمكن خلال حياته من جذب جمهور واسع للاهتمام بالعلم. فمجال الفزياء الكونية يسمح بطرح الأسئلة الأساسية التي ينبغي على الجميع أن يفكر فيها: أصل الكون الذي نتواجد فيه والقوانين الفيزيائية الأساسية التي تحكمنا. وقد أثارت محاضراته وكتبه، في وقت لم يعد الاهتمام بالقراءة كبيرا لدى عامة الناس، حماسة كبيرة، بما في ذلك بين الشباب. خلاصة تتردد في كل المقالات التي كتبت عن العالم بعيد وفاته.

كما كان أيضا مثالاً على المقاومة. فعلى الرغم من إعاقته كان قادراً على مواصلة الحياة، بشكل طبيعي تقريباً. بل تمكن من التفوق على نفسه وعلى الآخرين للوصول إلى قمة الذكاء. فكما قال في تصريح «لقد عشت خمسة عقود أكثر مما توقع الأطباء. لذا فأنا أحاول الاستفادة من وقتي.. لأن كل يوم يمكن أن يكون الأخير. لدي الرغبة في تحقيق أقصى استفادة من كل دقيقة». درس لجميع الذين يهدرون طاقتهم في أقوال وأفعال غير مفيدة بدل الاستفادة مما وهب لهم من مقدرات.

كما تمتع ستيفان هاوكينغ، بالإضافة إلى خاصية التهكم، بذكاء إنساني واجتماعي، إذ لم تبعده نشاطاته العلمية عن الاهتمام بالعالم الواقعي من حوله. فبعد مناهضته للحرب الأمريكية ضد فييتنام ثم ضد العراق يعد هاوكينج أحد الشخصيات البارزة في المجال العلمي التي دعمت إلى المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل. ففي خطاب موجه إلى الرئيس الإسرائيلي آنذاك في ماي 2013، أعلن أنه لن يشارك في مؤتمر في إسرائيل بسبب وضع الفلسطينيين. قرار اتخذه بعد نقاش مع اللجنة البريطانية لدعم الجامعات الفلسطينية والمنظمات البريطانية الداعمة لـحملة «مقاطعة سحب الاستثمارات وفرض العقوبات» ضد إسرائيل. وكان العالم قد انتقد تل أبيب، في خطاب في عام 2009 خلال العملية العسكرية الإسرائيلية، «الرصاص المصبوب»، ضد قطاع غزة، مشبها الوضع في الدولة العبرية بما كان عليه في جنوب إفريقيا قبل عام 1990 أي خلال مرحلة الميز العنصري.

وقد امتاز هاوكينغ بنظرة نقدية ثاقبة للعالم. فحول مسألة العدالة الاقتصادية صرح بأنه «يمكن لأي شخص أن يعيش حياة ترفيهة مليئة بالحيوية إذا تم توزيع الثروة التي تنتجها الآلات بشكل عادل، أو أن غالبية الناس سيعيشون في بؤس إذا تمكن مالكو هذه الآلات من منع إعادة توزيع الثروة. حتى الآن ، يبدو الاتجاه نحو الخيار الثاني، وما زالت التكنولوجيا توسع عدم المساواة». كما لم ينج حتى العلم من نقده هو القائل: «لدينا الآن التكنولوجيا اللازمة لتدمير الكوكب الذي نعيش فيه، لكننا لم نطور بعد القدرة على الفرار منه».

أكاديمي ذكي ومتمرد لم يتردد في التعبير عن إلحاده بشكل علني ومن خلال كتبه في السنوات الأخيرة. وهو ما لم يمنعه من الانضمام إلى الأكاديمية البابوية للعلوم وأن يحظى بالاحترام من قبل سلطات الفاتيكان. فالاختلاف في وجهات النظر رحمة كما جاء في حديث نبوي اعتبر ضعيفا بحسب السلطات الدينية… ولكن تلك حكاية أخرى.

Comments

comments