لبيب فهمي: محكمة التاريخ

لبيب فهمي - إعلامي مغربي

لبيب فهمي – إعلامي مغربي

تنتهي هذا الأسبوع في بروكسل أطوار جلسات محاكمة تاريخية، تتعلق برفع مجموعة من الروانديين الناجين من الإبادة لدعوى ضد الدولة البلجيكية وثلاثة من ضباطها العسكريين بتهمة.. جرائم حرب؛ لأنهم تركوا مواطنين روانديين بدون دفاع. وعلى محكمة بلجيكية أن تقرر في الأمر.

وللتذكير  فعندما بدأت، في الحادي عشر من أبريل 1994، عمليات الإبادة في حق التوتسي في رواندا، تجمع ألفان منهم، مع معارضين من الهوتو ، في المدرسة التقنية الرسمية في كيغالي، تحيط بهم ميليشيات الهوتو. ويفصل بين الطرفين كتيبة من القوات البلجيكية تضم المظليين وذلك لحماية المدنيين من هجوم محتمل. لكن قرارا اتخذ في بلجيكا أجبر الجيش على ترك مواقعه لحماية إجلاء المدنيين البلجيكيين في المطار. وهو ما سمح لميليشيات الهوتو بتنفيذ هجوم واقتراف جريمة لم ينج منها سوى حوالي خمسين من المحاصرين. ويطرح السؤال حول مسؤولية الدولة البلجيكية، والجنود البلجيكيين، الذين كانوا يتدخلون تحت لواء الأمم المتحدة، في هذه الجريمة الشنعاء. محكمة بروكسل الابتدائية لم تبت في الأمر في الملف الذي تجري أطوار جلساته حاليا أمام محكمة الاستئناف، بعد الدعوى التي قدمتها ثلاث عائلات من الناجين الروانديين.

وتدرك بلجيكا أنها تتحمل مسؤولية تاريخية في الوضع الرواندي. فالإدارة الاستعمارية لعبت كثيرا على حبل الاختلافات العرقية. إذ دعمت الأقلية التوتسية قبل أن تنحاز إلى الأغلبية من الهوتو، كما أنها لم تتردد في دعم السياسات العرقية التي تم تطبيقها في السنوات الأولى لاستقلال البلد.

ومحاولة ربما للتكفير عن خطاياها ولمواجهة تاريخ لم يعد بالإمكان إخفاؤه، قررت بلجيكا ضرورة معرفة الحقيقة حول ما جرى خلال عمليات الإبادة، عبر إنشاء لجنة تحقيق برلمانية. وبمجرد توصل اللجنة، في عام 2000، إلى وجود مسؤولية تاريخية للدولة البلجيكية فيما حدث، قدم رئيس الوزراء في ذلك الوقت، غي فيرهوفشتات، اعتذارا رسميا للروانديين لدور بلجيكا في الإبادة الجماعية. وتعد  بلجيكا بقرارها هذا رائدة في هذا المجال، لا ينقصه سوى التكفير عن كل الجرائم التي ارتكبت في الكونغو، المستعمرة الأخرى.

قرار محكمة بروكسل سيكون بالتأكيد محط اهتمام دولي لأنه لا يخص فقط قوات وطنية، كانت تعمل تحت لواء الأمم المتحدة، ولكن مسؤولية الدول التي تتدخل في مناطق النزاع في العالم بقرار أممي أو بدونه.

فمحكمة التاريخ لن تتغاضى عن الفضاعات التي ترتكبها القوات الإسرائيلية في فلسطين والجرائم التي ارتكبتها القوات الأمريكية أو البريطانية في العراق وأفغانستان والفرنسية في مناطق أخرى، كما أنها لن تنسى ما اقترف في حق الشعب اليمني من قبل قوات عربية شقيقة جاءت لتنصر طرفا ضد آخر. ولا في سوريا التي اختار النظام وجزء من المعارضة الاستقواء على بعضيهما البعض بدعم خارجي. وحكم محكمة بروكسل يمكن أن يشكل عرفا يدعم المظلومين في مثل هذه القضايا مستقبلا. فمهما كانت النتيجة المهم أن رفع دعوى ضد دولة وجنودها أمر ممكن في إطار دولة الحق والقانون. رسالة على المشاركين في الحرب في اليمن – الغريب أن العرب لا يتحالفون سوى لشن حرب على بعضهم البعض –  والفرقاء السوريين أن يتمعنوا كثيرا في دلالاتها، قبل أن يجدوا أنفسهم متابعين أمام محاكم الدول الغربية. فالقضاء في هذه الدول، رغم كل الانتقادات التي يمكن أن توجه له، مازال يمتلك المصداقية والاستقلالية التي تجعله لا يفرق بين الناس على أساس التملك أو الحكم… ولكن تلك حكاية أخرى.

* المساء، 13 مارس 2018

Comments

comments