لبيب فهمي: الحقيقة والإنصاف

  • 0
لبيب فهمي - إعلامي مغربي

لبيب فهمي – إعلامي مغربي

 سنه المتقدمة، 82 عاما، والثلوج التي كانت تغطي باريس، لم يمنعا جاك جوبير، من القيام برحلة من مدينة ليون باتجاه العاصمة الفرنسية. رحلة طويلة بعد أن قرأ مقالا في صحيفة لومانتيه، التابعة للحزب الشيوعي الفرنسي، عن مبادرات لكشف الحقيقة حول قتل القوات الفرنسية في الجزائر لموريس أودان، العضو في الحزب الشيوعي والمناضل من أجل استقلال الجزائر.

فضميره دفعه، على حد قوله، إلى ضرورة الإفصاح عن كل ما لديه من معلومات عن هذا الملف، وذلك لمساعدة عائلة أودين للتوصل يوما إلى الحقيقة الكاملة حول ما حدث. إذ يعتقد جاك جوبير أنه ساهم، بطلب من القيادة العسكرية، في دفن موريس أودان بعد أن اغتالته وشوهت جسمه القوات الفرنسية، وهو يضع نفسه رهن إشارة العائلة وأي لجنة تحقيق للكشف عن ما يمتلكه من معلومات، خاصة ما يتعلق بموقع دفن أودان حتى تتمكن العائلة، في حال التأكد من صحة المعلومات، من تمكين رفاته من قبر في الجزائر أو نقلها إلى فرنسا.

“المسألة لا تتعلق بالثأر، ولكن فقط بإغلاق ملف يدمي بذكريات لا تمحى من تاريخنا الحديث. ووحده طي هذه الصفحة بشكل كامل وصحيح يمكننا من النظر إلى المستقبل بتفاؤل أكبر”

 وقد تم اعتقال موريس أودان، وكان أستاذا للرياضيات، من كلية الجزائر، في 11 يونيو 1957. يوم قبل اعتقال الصحفي هنري أليغ الذي كان مديرا لصحيفة “الجزائر الجمهورية” ومؤلف كتاب “السؤال” المندد بالتعذيب الذي كانت تمارسه القوات الاستعمارية الفرنسية في حق المطالبين باستقلال الجزائر أو المساندين لهم. ومنذ ذلك التاريخ اختفى أستاذ الرياضيات دون أن يترك أثرا. وأمام إصرار زوجته، جوزيت أودين، للحصول على تفسير من السلطات الفرنسية وخاصة من قيادة الجيش حول مصير زوجها، أكدت لها السلطات العسكرية بأن موريس أودان فر أثناء نقله إلى مركز احتجاز آخر. غير أن اعتراف الجنرال بول أوساريسس، المعروف بممارسته التعذيب في حق المعتقلين خلال الحرب في الجزائر، في تصريحات نشرت بعد موته في عام 2013، بأن اختفاء أودان كان بسبب اغتياله كمثال لكسر مقاومة المناضلين الآخرين، أعاد الملف إلى الواجهة. وينتظر أن تدفع الشهادة المقدمة من قبل جاك جوبير ودعم مجموعة من المثقفين السلطات الفرنسية إلى إنشاء لجنة تحقيق لجمع الشهادات ومحاولة التوصل إلى الحقيقة والعمل على الإنصاف.

 معاناة عائلة أودان تماثل معاناة عائلات أخرى مغربية كعائلة المهدي بن بركة والحسين المانوزي وغيرهما، والذين فقدوا أفرادا من أسرهم خلال سنوات الرصاص. ورغم محاولات هيئة الإنصاف والمصالحة للكشف عن الحقيقة، إلا أنها لم تتوصل إلى نتائج يمكن أن تمنح هذه العائلات الأجوبة التي تحتاجها. إذ لم يتم الكشف عن كامل حيثيات الاختفاء ولا عن مواقع الجثث في حال وجودها، لكي تنهي العائلات سنوات الترقب والقلق. والأمل الوحيد المتبقي ربما هو في ظهور “جاك جوبير” مغربي يدفعه ضميره هو أيضا إلى مساعدة هذه العائلات للتوصل إلى معرفة الحقيقة.

 فالمسألة لا تتعلق بالثأر، ولكن فقط بإغلاق ملف يدمي بذكريات لا تمحى من تاريخنا الحديث. ووحده طي هذه الصفحة بشكل كامل وصحيح يمكننا من النظر إلى المستقبل بتفاؤل أكبر، خاصة وأن موجات الاعتقالات المستمرة التي يشهدها المغرب منذ بدء حراك الريف أعادت إلى أذهان الكثيرين وضعا كنا نتمنى أن يظل جزء من الماضي. فاعتبار نشطاء الحراك، ومجموعة من المنظمات الحقوقية، أن هذه الاعتقالات لم تحترم، بحسبهم، الإجراءات القانونية المنصوص عليها في التشريعات يبرز مدى راهنية ودوام ملف حقوق الإنسان في ذاكرتنا الجماعية. كما أن سير جلسات المحاكمات يعيدنا سنوات إلى الوراء.. وتلك حكاية أخرى.

عن المساء، 6 مارس 2018

Comments

comments