لبيب فهمي: ثورة الكلمات

لبيب فهمي - إعلامي مغربي

لبيب فهمي – إعلامي مغربي

ماذا لو انتفضت كان وأخواتها على القواعد النحوية وقررن أنهن، من الآن فصاعدا، لن يرفعن مبتدأ ولن ينصبن خبرا. ماذا ياترى سيكون موقف إن وأخواتها. هل سيعلن عن تضامنهن اللامشروط مع بني جنسهن من الحروف والكلمات. أم على العكس يعلن  أن الخروج على القواعد اعتداء على لغة الجنة، ويطالبن السلطات بضرورة معاقبة الخارجات والخارجين على القانون لتفادي الفتنة. بل ويستفدن من الفرصة للحديث عن شرعية تمنح لهن أخذ الأماكن الشاغرة التي تركتها كان وأخواتها. وماذا ستفعل حروف الجر أمام هذا الوضع المضطرب. هل سيواصلن جر كلمات ثقيلة مثل الفقر والاعتقال والتعذيب والسجن أم سيتخلين عن دورهن استيحاء، وينسحبن في هدوء.

وماذا لو عاد سيبويه إلى الحياة، هل كان سينهرني على إثارة ثورة الكلمات، ويذكرني بقواعد الصرف والنحو التي أعترف أنني لم أحصل منها على الكثير. أم أنه سيستلسم بدوره عندما يلقي بنظرة على تحولات لغة الضاد في الفضاء الأزرق وغيره من المجالات الأخرى، حيث لم يعد الفعل يلتقي فاعلا حقيقيا سوى في حالات قليلة، ونسي وجود المفعول به ولأجله و معه والمطلق. واختفى المثنى لصعوبة كتابته وخاصة تأنيثه، وأصبحت الأرقام لا تبالي بتركيب الكلمات قبلها وبعدها، ويرفض وزيرالتربية الوطنية في المغرب، أي التعليم، الحديث باللغة العربية لأنه…لا يتقنها.

“اللغة العربية جزء من هويتنا المغربية التي لا تكتمل سوى بمنح مكانها للغة الأمازيغية وللمكونات الأخرى”

ومع ذلك فما زال التعريب أو الدفاع عن اللغة العربية شعارا عند الكثيرين من الذين لديهم الإمكانيات لتسجيل فلذات أكبادهم في مدارس.. أجنبية. لأنهم يدركون أن الحصول على وظيفة في المستقبل بدون تكوين ب”إنغليش” أو “لوفرونسي” قد يكون صعبا، ولأن الوظائف قليلة فأبناؤهم أولى بها، وما على أبناء الشعب سوى مواصلة تعلم اللغة التي تصلح في الدنيا وفي الآخرة، حتى وإن كان أغلبهم، وأنا منهم، لا يفقه شيئا مما يعنيه بيت ينسب للمتنبي :

عِشِ اِبقَ اِسمُ سُد قُد جُد مُرِ اِنهَ رِفِ اِسرِ نَل *** غِظِ اِرمِ صِبِ اِحمِ اِغزُ اِسبِ رُع زَع دِلِ اِثنِ نُل

فالمهم هو التشبث باللغة العربية كمخرج لأزماتنا الهوياتية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية.. وإعلان الحرب على اللغة الأمازيغية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

اللغة العربية جزء من هويتنا المغربية التي لا تكتمل سوى بمنح مكانها للغة الأمازيغية وللمكونات الأخرى. ولكن الاكتفاء بترديد الشعارات فقط وعدم العمل على تحديثها والإبداع في طرق تدريسها للأجيال الجديدة لتصبح في متناول أكبر عدد من المواطنين، يحولها شيئا فشيئا إلى لغة عالقة بين الحياة والموت. وهو أمر لا يخص المغرب فقط. فهل يعقل أن يطلق”مجمع اللغة العربية” مشروع “المعجم التاريخي للغة العربية” عام 2018 أي بعد أكثر من نصف قرن من وضعه خطوطه العريضة من قبل المستشرق الألماني أوجست فيشر. وكيف للغة، يعتبرها البعض مقدسة، لا تساير بشكل جيد التطور العلمي والتكنولوجي وحتى الإنساني، أن تظل على قيد الحياة في المستقبل. فلا يكفي ترديد حكايات “الكلمات ذات الأصل العربي في اللغات الأخرى” لاحتفاظ العربية بمكانة بين لغات تتطور بشكل سريع كالإنجليزية والفرنسية والإسبانية على سبيل المثال. فمعاجم هذه اللغات تستقبل كل سنة كلمات جديدة سهلة الاستعمال ومعروفة، بينما ما زال معجم اللغة العربية يساير الأعرابي في عشقه للغة جامدة. فمن يعرف أن الانترنيت يسمى باللغة العربية الشابِكَة كما قرر مكتب تنسيق التعريب.

الاهتمام بتطوير اللغة يحتاج إلى إرادة فعلية من قبل المعنيين بالأمر. ويبدو ذلك جليا في التعامل الرسمي مع اللغة الأمازيغية.. ولكن تلك حكاية أخرى.

* المساء، 27 فبراير 2018

Comments

comments