محمد أمزيان: السياسة صناعة أيضا

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

هل السياسة أحاديث السمر في المقاهي والساحات والتحشيد فحسب؟ هذا السؤال حملته معي من المغرب وأنا أضع خطواتي الأولى في بلاد الهجرة.

اهتممت بالسياسة عن بعد حينما كنت أتابع النقاشات في ساحة جامعة محمد بن عبد الله في ظهر المهراز بفاس بداية الثمانينات. كان اليسار بأطيافه سائدا وسيدا. كانت النقاشات تبهرني وتدخلات الرفاق أراها مثل الكواكب التي لا يمكن الوصول إليها إلا بالكد والعرق والاستعداد للأسوأ. سريعا اكتشفت مدى تخلفي وهزالة عتادي السياسي الذي حملته معي من الحسيمة التي كانت تعيش في تلك الفترة فقرا مدقعا في مجال التنظير والتأطير السياسيين. طيلة حياتي الجامعية بفاس، لم أخض في نقاش مفتوح في الساحة لأن نقيصتي الوحيدة أنني لم أكن منتميا أيديولوجيا لأي تيار، وكانت ترعبني عبارة “حدد يا رفيق”، والتي تعني أن أي متناول للكلمة عليه أن يحدد انتماءه الأيديولوجي ومن لم يفعل يتعرض للتضييق وحتى التعنيف، وقد حدث مثل ذلك فعلا لطلبة ركبوا حماستهم بدون زاد الانتماء.

“مع ابتعادي التدريجي عن التنظيمات السياسية في بيئات غير ديمقراطية، ظللت وفيا لقناعاتي السياسية الشخصية.. وكانت مشكلتي الوحيدة: أين يمكن لي تصريف رغبتي في المشاركة السياسية بالطريقة التي أنا مقتنع بها”

لم أكن أعطي تفسيرا سلبيا للأيديولوجية حتى استقر بي المقام في جامعة بغداد، أواسط الثمانينات. هناك اكتشفت كيف يتحكم الحزب الحاكم الأوحد في كل شيء، حتى في طريقة اللباس، أما الاختلاف السياسي فكان جريمة.. مجرد انتقاد بسيط لخط الحزب الحاكم يعد خروجا عن الثوابت. تواجد هناك مغاربة “تبَعَّثوا” وبقيت أقلية قليلة منهم وفية لقبيلتها السياسية في المغرب. أما أنا فزاد يقيني بأن الانتماء لحزب معين يعني الموت السريري للاستقلالية. هناك فهمت “مغزى” مقت الخطابي للأحزاب السياسية في بيئات سياسية متحكم فيها.

مع ابتعادي التدريجي عن التنظيمات السياسية في بيئات غير ديمقراطية، ظللت وفيا لقناعاتي السياسية الشخصية.. وكانت مشكلتي الوحيدة: أين يمكن لي تصريف رغبتي في المشاركة السياسية بالطريقة التي أنا مقتنع بها، والتي بدأت تجربتي في الحياة تصقلها… ثم استقر بي الحال في هولندا للدراسة في جامعة لايدن العريقة.. وحدث أن التقيت صدفة في المدينة التي سكنتها بشخصية عجيبة. كان شابا بدا لي أول وهلة أنه من الفوضويين الغاضبين على المجتمع الاستهلاكي، ثم حدثني عنه معلمي في اللغة الهولندية. كنت أراه في محطة القطار حاملا مطويات ومنشورات حزبية… كان مؤلفا موسيقيا وفي الوقت نفسه مناضلا في حزب يُحسب على الجناح الفوضوي في المشهد السياسي.. الحزب الاشتراكي ذي الخلفية التروتسكية، وهو نتاج تحالفات لمكونات يسارية جذرية اندمجت في تاريخ سابق. كان شعار الحزب آنذاك: “صوِّت ضد”. استهوتني فكرة التصويت المعارض لكل شيء وصرت مساندا له… حتى التقيت بمحمد الرباع. كان أول مغربي يصل البرلمان الهولندي، بل ترأس حزبَه في فترة من الفترات. حضرت لقاء سياسيا له وأعجبت بطريقته في تفسير بعض الأمور التي كنت أعتقد أنها معقدة. معه اكتشفت أن السياسة ليست تنظيرا فقط ومعارضة فقط، ولكنها أيضا مشاركة. انضممت رسميا لحزبه؛ حزب اليسار الأخضر، وهو أيضا خليط من تكوينات يسارية شيوعية وراديكالية وفوضوية مع نفحة بيئية. كانت قضايا البيئة آنذاك ردا مبطنا على “الباطرونا” والشركات الكبرى.

كنت أحضّر أطروحتي الجامعية، وقانون إقامة الطلبة في هولندا في ذلك الزمن، يمنعهم من مزاولة العمل. وكان علي أن أدفع اشتراكا شهريا للحزب.. مضت أشهر ثم اكتشفت أن البيروقراطية الداخلية للحزب لا تختلف عن الأحزاب الأخرى.. لاحظت غياب التأطير والاهتمام أكثر بجباية الاشتراك الشهري كما تفعل شركة الاتصالات، فقدمت الاستقالة. وحينما حصلت على حق التصويت في الانتخابات البلدية، ظللت أدلي بصوتي جهة اليسار، انسجاما مع قناعاتي.. ثم حصلت على حق التصويت في الانتخابات البرلمانية وكانت وجهتي اليسار. هذا جعل بعض معارفي يتساءل: كيف للملتزم بالشعائر الدينية أن يكون يساريا؟ لدي الجواب لكن سأتركه لمناسبة أخرى.

ثم حدث أن شاركت في الانتخابات قبل حوالي عشر سنوات ضمن لائحة حزب محلي وفزتُ بمقعد في المجلس البلدي لمدة أربع سنوات. هناك اكتشفت الفرق في السياسة بين الممارسة والمسامرة. فهمت كيف يدار الشأن المحلي، كيف تصاغ القوانين، كيف تعقد الصفقات السياسية… هناك اكتشفت أن السياسة صناعة أيضا وليست نضالا فقط.

 

المساء، 23 فبراير 2018

Comments

comments