محمد أحداد: حوار “غير  هادئ” مع والـــدي

  • 0
محمد أحداد صحيفة المساء

محمد أحداد
صحيفة المساء

لم يسبق لي في حياتي أن وجدت والدي متذمرا، حانقا، ويدخل في نوبات من الحوار الجواني، متمتما بكلمات متقطعة وغير مفهومة، بالكاد أفهم معناها.. ربما لأن سوء حظي -الذي ليست فيه ثغرة واحدة- قادني إلى أن أصادفه عائدا من السوق مثقلا بكمية من الإحباط المريع التي حملها مع الأكياس. الحقيقة أنه كان يتقصد أن يناقش غلاء المعيشة بمدينة الحسيمة وارتفاع الأسعار على نحو مجنون مع أخي الصغير كي يثير انتباهي؛ وكل مرةٍ يعرج فيها على الأسعار، كان يقول: (الصحافة يا وسينغ ميختاري) -لا أعلم حول ماذا تكتب الصحافة-..

فهمت، طبعا، أن الرسالة موجهة إلي، وتصرفت وكأني لم أسمع شيئا لأني تعودت على مثل هذه “الكلاشات” من والدي. وحين أيقن بأني لن أرد عليه، يئس من توجيه الرسائل بشكل مبطن، وتوجه إلي مباشرة بأسئلة لا حصر لها تحس أنها وحي منزل، أو أنه رتبها في دماغه منذ أن أخبرته بأني سأذهب لزيارتهم.. قد تكون الترجمة خائنة في نقل أسئلة الوالد، لكني أصوغها على هذا النحو:

“الفقير يموت ببطء في جرادة وفي تندرارة وفي الحسيمة، والدولة تحس بنوع من “الاطمئنان” غير المفهوم.. لكن الشيء الوحيد الذي يوزع بشكل عادل هو الفقر والحكرة”

منذ متى وأنت تشتغل في الصحافة؟ هل تكتب عن الفقراء وعن ارتفاع ثمن “الطوماطيش” و”بطاطا”؟ أم أنك فالح فقط في الكتابة عن السياسيين؟ هل طلبت منك يوما أن تكتب مقالا على الجريدة..؟ أتذكر أني فعلت ذلك مرة واحدة طلبا لنشر تعزية في وفاة قريب؛ واليوم، أطلب منك أن تكتب مقالا سأقرؤه عليك الآن بالريفية، ويمكن أن تترجمه إلى اللغة العربية، أعزي فيه هذه المرة نفسي والملايين ممن تكويهم الزيادات في كل شيء؟ أُكتبْ – يتحدث بصيغة الأمر الأبوي غير القابل للنقاش- أن الفقراء يموتون ببطء ولا أحد ينتبه إليهم”، فاليوم اشتريت كيلوغرامين فقط من الطماطم بـ25 درهما، واشتريت كيلوغرامين من الفلفل بعشرين درهما، ويمكن أن أعد لك لائحة كاملة من الأسعار التي تصعق!

كان، بالفعل، ينظر، في كل مرة، إلى ورقة بيضاء لم تفارقه منذ عقود، ويكتب فيها بعض الطلاسم بالإسبانية لأكتشف، في ما بعد، أنه يدون فيه ثمن تكاليف الحياة..

ما الذي يدفع والدي – الذي، بالمناسبة، يـُكنُّ كرها شديدا للصحافة- إلى أن يطلب مني كتابة مقال على الجريدة يتحدث عن الغلاء رغم أنني أخبرته غيرما مرة أو حاولت إقناعه بأننا نكتب عن ذلك كل يوم ونجلد الحكومة والبرلمان والدولة، ونقول لمن يمسكون بالقرار إن ملايين المستضعفين في هذه البلاد سينفد صبرهم ذات يوم، ولن تبقى لديهم قدرة على مزيد من تحمل الزيادات التي طالت كل شيء، وشرحت له ببعض الجمل اليسيرة أننا ندافع عن هذه الفئة، ولذلك نتعرض للمضايقات والمحاكمات.. ربما لم يصدق والدي هذه المرافعة، فهو لا يفهم اللغة العربية، وكل مقال لم يخبره به أخي الصغير يبقى غير حقيقي..

مع ذلك، أسئلة والدي مشروعة، ولاسيما في شقها الصحافي، ففي غمرة السعار السياسي والزلازل والبراكين، ننسى، في بعض الأحيان، دور هاته المهنة في كشف “أكاذيب الدولة وعجز الحكومة” كما كان يقول نجيب محفوظ.. والصحافة، في نهاية المطاف، هي هذا القرب من الناس والإنصات لآلامهم اليومية..

كان بارغاس يوسا يقول إنه ما كان ليستطيع كتابة بعض أعماله الأدبية لولا تجربته الصحافية؛ فالصحافي، في نهاية المطاف، ليس معزولا ومقطوعا عن الموت الراهن. ربما هذا ما تبقى من أفكار الالتزام ومن المشاركة في الجدال السياسي، وقد يكون هذا التصور مغرقا في الواقعية، لكنه ضروري..

الفقير يموت ببطء في جرادة وفي تندرارة وفي الحسيمة، والدولة تحس بنوع من “الاطمئنان” غير المفهوم.. لكن الشيء الوحيد الذي يوزع بشكل عادل هو الفقر و”الحكرة”.

* عن المساء

Comments

comments