محمد أحداد: كتامة الحقيقية وكتامة المزيفة

  • 0
محمد أحداد صحيفة المساء

محمد أحداد
صحيفة المساء

قبل أيام استنفرت الحكومة كل أجهزتها لفك الحصار المضروب عن المناطق التي حاصرتها الثلوج وقطعت كل أوصال الحياة فيها.. كانت كتامة والبلدات المجاورة خارج الحضارة لأيام ولولا كاسحات الثلوج لظل السكان هناك في ذلك الصقع المنسي معزولين عن العالم يبحثون عن الحد الأدنى من شروط الحياة.

أغلقت المدارس، قطعت الطرق، توقفت الحياة بشكل نهائي، اختفت مواد التموين من السوق، ولولا تدخل الدولة الذي يجب أن نعترف أنه هذه السنة كان أكثر فعالية من السنوات الماضية..

الفقر في في زرقت وبني جميل وبني بوفراح وسنادة والمناطق القريبة من كتامة، والمعروفة بزراعة الكيف، يمشي على رجليه وهؤلاء المزارعون البسطاء الذين يعتقد جزء واسع من المغاربة أن “العشبة العجيبة” أغنتهم، يبحثون عن الخبز والماء أيام الثلج..

“الدولة، ومعها وزارة الداخلية، تحتاج اليوم إلى كثير من الشجاعة والجرأة لتعترف أنها فشلت في تدبير هذا الملف الحساس، وأنها فشلت أيضا في أن تجد بديلا حقيقيا لهذه الزراعة”

للأسف درج الكثيرون على اتهام الفلاحين الصغار بتوسيع رقعة زراعة القنب الهندي والاغتناء الفاحش، والحال أنه لو كان الكيف يخلق الثروة ويدر الملايير على الساكنة، لأصبح موسم الثلج موسما عاديا مثل أي دولة أوربية، فتقرير الأمم المتحدة يتحدث عن عشرات الملاييين من الدولارات تدرها الزراعة لكنها تذهب في الأخير إلى مافيات الاتجار الدولي في المخدرات، بينما ينال الفلاحون “الشنعة.

لنتساءل بمنطق الفائدة الاقتصادية: ما الذي جنته كتامة من تجارة الحشيش طيلة هذه السنوات؟ هل أصبحت الضواحي قطبا اقتصاديا كبيرا تتجاور فيه المعامل؟ هل تفوق المال على شراسة الجبال ووصلت خطوط السكة الحديدية إلى إساكن وبوزينب أو بني عمارت؟ هل تغيرت عادات الريفيين ليصير مستواهم المعيشي قريبا جدا من النمط الأوربي؟ ثم هل ساهم “السم المحلي” في خلق طبقة متوسطة قوية؟ وكم من المسارح ومن دور السينما نهضت بسبب الكيف فقط؟ وكم من مشروع سياحي شيد بأموال الكيف في تلك المناطق الوعرة؟

لا شيء على الإطلاق؛ بل جنت غضب أجهزة الدولة – المفهوم آنذاك- في التسعينيات من القرن الماضي بعد صدور التقرير الأوربي الشهير.. أحرقت حقول الضعفاء وشردت عشرات العائلات وحولوا المئات ممن كانوا يواجهون الحياة بصدر عار إلى جحيم. بطبيعة الحال، بقيت حقول الأقوياء والمتنفذين.. لأنهم يزرعون النعناع. وجنت كتامة كذلك أحكاما مسبقة لا حصر لها تواجه ساكنتها في كل مكان..

يتوجب على الجميع أن يلتقط الإشارات القادمة من هذه المنطقة، فـ”الخوف الأصيل” الذي كان يحول حياة الناس إلى جحيم حقيقي لم يعد مثلما كان بسبب حراك شبابي قوي ينافس الأحزاب السياسية ويقدم بدائل لم تستطع الدولة نفسها أن تقترحها. بصيغة أخرى، فإن الاعتقاد الذي كان سائدا قبل سنوات من أن هذه المناطق قدرها أن تفاوض الجميع من أجل أن تحافظ على “النبتة العجيبة” لم يعد قائما، لأن المتاجرين الكبار بالمخدرات عرفوا كيف يتحكمون في الأسعار وفي رقاب الفلاحين.. لنقلها صراحة: كتامة- وهي التعبير المجازي عن زراعة الكيف- لم تعد تبيض ذهبا أخضر بل تبيض فقرا ومآس إنسانية عميقة.. والكثير من الحكرة.

الدولة، ومعها وزارة الداخلية، تحتاج اليوم إلى كثير من الشجاعة والجرأة لتعترف أنها فشلت في تدبير هذا الملف الحساس، وأنها فشلت أيضا في أن تجد بديلا حقيقيا لهذه الزراعة. فشلت لأن هذا التدبير أفضى إلى تحريك مسطرة المتابعة القانونية ضد آلاف المزارعين الأبرياء الذين قادتهم ظروف الحياة القاسية إلى البحث عن مورد مالي يسدون به رمق الحياة في تضاريس جغرافية قاسية، بالإضافة إلى أن إحساسا عميقا بـ”الحكرة” تولد لدى هؤلاء المزارعين بأن الدولة التي ينتمون إليها تتصرف ضد إرادتهم ومصالح ساكنتهم.

لقد اختصر عجوز كان يتحدث في تصريح صحافي: في كتامة “لا يوجد سوى الكيف والزلط”.

Comments

comments