محمد أمزيان: الوزير الكذاب

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

كذب الوزير، غضبت المعارضة في البرلمان، تساءلت الصحافة: لماذا كذب الوزير؟ استغرب المواطن وردد: كيف نثق في الوزير، رد الوزير: كم كنتُ غبيا… ثم استقال. أما أنا القادم من قحط السياسة فقلت مع نفسي: تحيا الديمقراطية!

مثل هذه الواقعة يمكن اعتبارها عادية في أي مجتمع، ومن لا يكذب فليرمني بحجر بل بقذيفة حتى. ولكن الكذب الصراح في السياسة يعد فضيحة في الدول الديمقراطية، والفضيحة تُفقِد صاحبها المصداقية وتُلحق العار بعائلته السياسية وبالوظيفة التي يتقلدها في الدولة. نكاد لا نعرف هولندا إلا بطواحينها الهوائية وأبقارها، إلا أنها تعد واحدة من أكثر البلدان شفافية وحكامة على الصعيد العالمي، وأزماتها السياسية لا يمكن مقارنتها بالأزمات السياسية “الحقيقية” في بلدان أخرى كبيرة ووازنة. وحتى الجسم الصحافي في هذا البلد الصغير يتوق إلى “فضيحة” سياسية لكي يرسو عليها ويضخمها لغاية في نفسه.

“الأنظمة الشمولية تفرض على شعوبها “تصديق” الكذب الرسمي، ومن لم يصدق يصبح منبوذا أو مطرودا أو مسجونا”

وزير خارجية هولندا “هالبه زايلسترا” سياسي شاب وطموح، وقاد فريق حزبه (الحزب الشعبي من أجل الحرية والديمقراطية الحاكم) في البرلمان بحنكة ودراية إلى أن أصبح وزيرا للخارجية في الحكومة الحالية التي تشكلت قبل بضعة أشهر فقط. وكان من المتوقع أن يقود الحزب بعد تقاعد زعيمه ورئيس الحكومة الحالي مارك روته، أشهر عازب في هولندا، إلا أن الرياح الديبلوماسية قذفت به خارج السياسة. زايلسترا اعترف بجريرة الكذب بعد أن كشفته إحدى الصحف الجادة، ما استدعى البرلمان إلى الانعقاد لمحاسبته. ومع أن رئيس الحكومة حاول إنقاذه من السقوط، إلا أنه آثر تقديم الاستقالة، بل الابتعاد نهائيا عن ممارسة السياسة. “أشكر هذا البلد الذي أتاح لي فرصة خدمته طيلة إحدى عشرة سنة، ومن المؤسف أن أنهي عملي بهذه الطريقة”. هذا بعض مما قاله بعد جلسة البرلمان مضيفا: “هناك كثير من الشكوك حول القصة التي رويتها”، والقصة تتلخص في ادعائه أنه كان حاضرا في لقاء حدث قبل اثني عشرة سنة، تحدث فيه بوتين عن طموحاته العسكرية وأطماعه التوسعية في بلدان الجيران (أوكرانيا، روسيا البيضاء وكازاخيستان). وعندما انكشفت الكذبة حاول زايلسترا تبريرها بأنه يريد “حماية” من زوده بالمعلومة. غير أن الذي زوده بالمعلومة لم يكن سوى الرئيس السابق لمجلس إدارة شركة شل العملاقة، والذي قال لوسائل الإعلام إن زايلسترا لم يفهم ما نقله إليه، وأن طموح بوتين في جعل روسيا أمة عظيمة لا علاقة له بالتوسع العسكري.

عادة ما لا نستغرب كذب السياسيين واحترافهم للغة فضفاضة حمالة لأوجه التأويل والتفسير المتعددة. والسياسي الماهر، فضلا عن إدارته للشأن العام، هو من يعرف السباحة في الأمواج المتلاطمة والمصالح المتشابكة. كذبة زايلسترا جاءت في إطار التأجيج والتأليب على سياسات بوتين الأوروبية، وبهذا المعنى فإن “نية” التدليس كانت حاضرة، وهذا بالضبط ما يشير إليه الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا في كتابه “تاريخ الكذب” (الطبعة العربية)، وهو توفر شرط “النية” للقول إن الكذب كذبا، وإلا كان “خطأ”، والخطأ ليس كذبا لأن المخطئ يعتقد أن ما يقوله “حق”. دريدا يوضح أكثر مسألة “التمييز” بين الكذب والخطأ وعلاقة ذلك بـ”البعد الأخلاقي” للكذب، ويرى أن “الكذب على الآخرين يتضمن الرغبة في خداعهم، وذلك حتى إذا كانت أقوالنا حقيقة. والحال أنه بإمكاننا أن ننطق بأقوال خاطئة دون أن نكون كاذبين، وأن نقول أقوالا حقة الهدف منها خداع الآخرين ونكون آنذاك كاذبين”.

عادة التدليس السياسي والكذب معروفة أكثر في الأنظمة الشمولية التي لا تعرف المحاسبة حتى ولو انكشفت حقيقة التدليس، بل إن الأنظمة الشمولية تفرض على شعوبها “تصديق” الكذب الرسمي، ومن لم يصدق يصبح منبوذا أو مطرودا أو مسجونا. لكن في الأنظمة الديمقراطية، يتحمل الكذاب مسؤوليته ويرحل بعد أن يعترف أمام الملأ ويطلب الاعتذار. “لن أنسى أبدا كيف خدم زايلسترا بلاده بلا كلل”.. كانت هذه كلمات توديع مارك روته (رئيس الوزراء) زميله وصديقه زايلسترا، إلا أن للديمقراطية وجها آخر: الحساب يوم الحساب.     

* المساء، 16 فبراير 2018  

Comments

comments