لبيب فهمي: اللهم إن هذا منكر

  • 0
لبيب فهمي - إعلامي مغربي

لبيب فهمي – إعلامي مغربي

عندما قُتلت ابنته، لوريان، 28 عاما، في الهجوم على محطة مترو الأنفاق، مالبيك، في بروكسل يوم الثلاثاء 22 مارس 2016، قدم ميشل فيزار، الصحفي المتخصص في الاقتصاد في الإذاعة والتلفزية العمومية البلجيكية، بعد أيام قليلة من المأساة، شهادة مؤثرة خلال نشرة إخبارية. فعلى الرغم من الألم الذي كان يقاسيه، شدد بأنه “عن طريق الحب وحده يمكن أن نجعل العالم مغايرا، وأعتقد أننا مدينون بهذا لجميع لوريان في العالم، كما أعتقد أن مثل هذا العالم كانت ستحب العيش فيه”. موضحا بأن “لوريان كانت تتبنى قيما إنسانية وتدافع عنها عبر الكثير من المثابرة مثل العدالة والإنصاف والمساواة بين الجنسين والتسامح. وأنا لست ساذجا وأفهم بأن الأمن اليوم ضروري. ولكني أعتقد أن بناء جدران من الإقصاء وزرع الكراهية، ليس هو الحل”. مضيفا “بالنسبة للمستقبل، إذا كنا نرغب في عالم مختلف، فإننا في حاجة إلى الاحترام والتسامح”.

عندما مر عام على الفاجعة كتب فيزار وزوجته رسالة موجهة إلى الإرهابي الرئيسي في العملية قائلين “ها نحن بعد عام. نحن الضحايا المباشرين أو الجانبيين لعمليتك الحقيرة. ما زلنا على قيد الحياة، نعيد بناء أنفسنا، ومتضامنون. وإذا كنا لا نزال نبكي، فإننا نتشاطر ذلك مع الكثير من النساء والرجال من جميع الأصول. لا يوجد لدينا أي شعور بالكراهية.. ورغم المشاعر والشكوك التي تنتابنا بعد كل هجوم إرهابي، فإننا نواصل حياة مفعمة باحترام الآخر والتنوع”.

“قطار المساندة والدعم كان قد مر منذ مدة عندما نسي العديد من المثقفين معاضدة حراك شعبي شهدته إحدى المناطق المغربية.. الريف..”

عندما واجهت بلجيكا أكبر جدل حول الهجرة واللجوء في ينايرالمنصرم، والذي مازال مستمرا، اختار ميشل فيزارالاصطفاف إلى جانب هذه الفئة من المواطنين التي تعاني، في معارضة تامة مع قرارات الحكومة البلجيكية وخاصة وزيرها للهجرة واللجوء المتشدد، تيو فرانكن. إذ استضاف في منزله مهاجرين بدون أوراق إقامة قانونية. “بشكل عام، نستضيف المهاجرين لمدة ليلتين، حتى يكون لديهم الوقت للراحة. هؤلاء الناس، الذين لم يرتكبوا أي جريمة ضد القانون، هم في كثير من الأحيان في حالة يرثى لها. لديهم أحلام ورغبات، وتمكينهم من الراحة والسكن، هو الحد الأدنى كما أعتقد. ونحن الآن الآلاف لمنحهم المأوى. نأكل ونضحك معا”. مع العلم أن آلاف البلجيكيين ساهموا في هذه العملية الانسانية.

 حال ميشل فيزار كمن يردد عبارة “اللهم إن هذا منكر”، ولكن في موضع يليق بها. سواء تعلق الأمر بهجوم إرهابي سلب منه ابنته الشابة أو بممارسات عنصرية تقصي الآخر أو بتعامل خشن مع بشر كُتب عليهم أن يهيموا في الأرض هربا من وضع لا يُحتمل وأملا في مأوى لهم ولعائلاتهم.  موقف إنساني متماسك، لا يشوبه أي تردد أو نفاق. يحدث هذا في بلد يوصف عند الكثيرين بالكفر.

عندما أخرج العطش سكان مدينة زاكورة  للاحتجاج وفارقت 15 امرأة الحياة وأصيبت أخريات في حادث تدافع للحصول على مساعدات إنسانية وزعها أحدهم بالصويرة، وقتل شقيقان بمدينة جرادة بسبب انهيار بئر للفحم الحجري عليهما، كم عدد المثقفين المغاربة الذين عبروا، على الأقل، عن تنديدهم بهذه الفواجع؟ هل قام أحدهم بمؤازرة المحتجين وعائلات الضحايا ومحاولة الضغط على السلطات لتحقيق مطالبهم؟ كم من واحد ردد عبارة “اللهم إن هذا منكر” ولكن جهارا. بل يبدو أن الكثرين اختاروا أن يكونوا أوفياء للحديث النبوي “ومن لم يستطع فبقلبه”. أم أن قطار المساندة والدعم كان قد مر منذ مدة عندما نسي العديد من المثقفين معاضدة حراك شعبي شهدته إحدى المناطق المغربية.. الريف.. ولكن تلك حكاية أخرى.

* عن المساء، 12 فبراير 2018

Comments

comments