لبيب فهمي: الدين والديمقراطية

  • 0
لبيب فهمي - إعلامي مغربي

لبيب فهمي – إعلامي مغربي

زوجتي التي طلقت دينها المسيحي منذ مدة وانحازت لعلمانية متشددة، بحسبي، قررت تنظيم مراسم دفن على الطريقة الكاثوليكية لوالدتها المتوفية قبل أسبوعين. وذلك احتراما لها ولذاكرتها. فوالدتها تم تعميدها في كنيسة قبل حوالي ثمانين سنة، رغم أنها لم تحافظ يوما على ممارسة أي طقوس، لكنها لم تعلن أيضا خروجها عن الدين.

مراسم الدفن هذه، التي تضم قداسا في الكنيسة، تقتضي عقد لقاء مع القس الذي سيسهر عليها، والذي قُدم لنا على أنه محافظ وتقليدي ومتشدد فيما يتعلق بالطقوس. ودعما لزوجتي في محنتها قررت حضور اللقاء، حيث اكتشفت وجها آخر للدين ولنتائج الممارسة الديموقراطية أتمنى يوما أن يحط رحاله في بلداننا المسلمة السعيدة.

فلم تتردد زوجتي، عملا بمبدأ الصراحة وعدم الكذب، اللذين يبدوان في هذه الربوع مسألة عادية، الحديث عن عدم مشاركتها في الطقوس، وأن جزء كبيرا من الحاضرين ملحدون أو من أصول مسيحية فقط، دون أن يعني ذلك أي تشبث بالدين، ومجموعة من المسلمين إضافة إلى أقلية من المسيحيين الممارسين للشعائر متى سنحت الفرصة. وهو ما اعتبره القس شيئا عاديا بل ويعكس أطياف المجتمع الذي نعيش فيه، دون تذمر أو استنكار أو نقد… فالأهم بالنسبة له هو منح الفقيدة مراسم دفن تستحقها حتى وإن تطلب ذلك تواجد الكفار في بيت الله. أما زوجتي فقدمت الأمور من جهتها على أن المشاركين، على اختلاف معتقداتهم، منفتحون لأنهم يقبلون حضور مراسم الدفن في.. كنيسة. كنت كمن يشاهد مباراة رياضية تغلب عليها نتيجة التعادل. كل واحد منهما يقدم المسألة على أنها أمر عادي جدا في مجتمع ديمقراطي متعدد أرجع الدين، بكل طوائفه، إلى المكان الذي يليق به، أي القلب. وحتى إن افترضنا أن القس كان يتمنى في قرارة نفسه أن يساهم هذا اللقاء الكنسي في جذب مؤمنين جدد، فإنه لم تصدر عنه أية علامة توحي بذلك.

“لا يمكن للدين أن يتجدد ويتطور ويقبل بالتعدد سوى في إطار ديمقراطية حقيقية تمنح الإنسان كرامته الكاملة وتجعله يحب الحياة بدل الموت”

وهكذا تم الاتفاق على كل فقرات القداس مع الأب أونطونان الذي اقترح بنفسه تعويض الغناء الديني لمزمور، كما يتم في المراسم التقليدية، بأغنية تختارها عائلة المتوفية، لتدصح حنجرة المغني الباسكي لويس ماريانو بأغنية «أمي أجمل الأمهات» في إحدى أجمل الكنائس في بروكسل. هناك بالطبع من يختار أغاني الروك وأغاني بكلمات مفعمة بالحب.

كل هذا ذكرني بحادثة شهدتها مدينة الحسيمة قبل سنوات، حيث رفض أحد الأئمة إقامة الصلاة على شخص لأنه كان مرتدا بحسبه. القرار لقي استنكارا من قبل عدد من المواطنين دون أن يؤدي ذلك إلى تطبيق عقوبة في حق الإمام من قبل الوزارة التي تشغله. وكيف للوزارة أن تقرر شيئا في وقت مازال المجلس العلمي المغربي يصدر فتوى بحق قتل المرتد ويتراجع عنها بتفسيرات لا يمكن أن تقنع من تخرج من معاهد وجامعات تواصل تدريس نفس الكتب الصفراء بقدسية.

لا يمكن للدين أن يتجدد ويتطور ويقبل بالتعدد سوى في إطار ديمقراطية حقيقية تمنح الإنسان كرامته الكاملة وتجعله يحب الحياة بدل الموت. والممارسة الديمقراطية تنقذ الدين أيضا لأنها تعيد له روحانيته التي غيبها عنف البعض في الآونة الأخيرة.

المراسم التي نظمت في الكنيسة لدفن الحماة راقت لكل الحاضرين، ويبقى الآن دفع الفواتير لأن عملية الدفن التي تتكلف بها بشكل إلزامي شركات خاصة، تكلف الكثير من المال…ولكن تلك  حكاية أخرى.

* عن صحيفة المساء، 6 فبراير 2018

Comments

comments