محمد أمزيان: من المهد إلى اللحد

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

ابنتي الصغرى نادين (9 سنوات) لا تحب المدرسة كثيرا. تهوى مشاهدة الأفلام القصيرة واللعب على الآيباد والقراءة قبل النوم. عادة ما تتعلل بالمرض لتتغيب عن الفصل. على العكس منها، لا يتخلف ابني محمد أمين (13 سنة) عن مدرسته إلا إذا كان مريضا فعلا. يهوى كرة القدم ويحب القراءة. اختير مع تلميذة من فصله لإجراء مسابقة في القراءة، وإذا فاز سيشارك في مسابقة للقراءة على الصعيد الجهوي ثم الوطني. هذه ثاني مشاركة له. أما ابني أيسر (15 سنة)، فلم أره يوما ما سكا كتابا. ينجح في آخر كل سنة بـ “التيمم”، قنوعا بما يحصل عليه من علامات تمكنه من الانتقال إلى الفصل الموالي، ولا يهتم بما يسمى “التفوق”. سألته يوما: ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟ “خباز”، أجابني دون تردد. قلت له: هذه مهنة لن تزول. سيكون في هذا العالم دوما بطون لن تشبع.

تعليم الأبناء مسؤولية الآباء قبل كل شيء. هذا ما كنت أعتقده، إلا أنها مسؤولية المدرسة أولا، فهي التي تراقب التلميذ منذ ولوجه عتبة المدرسة، وتهيئه لاكتساب المعارف الضرورية في الحياة، وتعده للقيام بواجبه تجاه نفسه أولا وتجاه مجتمعه ثانيا. أما دور الآباء، ومع أهميته، يبقى مساعدا فقط. ولذلك فإن إجبارية التعليم في هولندا مقرونة بإجراءات عقابية تطال الآباء إن هم حاولوا الإخلال بهذا النظام. فالتلميذ الذي يتخلف عن المدرسة بدون سبب، يستدعى وليُّ أمره، يتلقى إنذارا أوليا، ثم تتبعه ذعيرة مادية تقدر ب 500 يورو عن الطفل الواحد. وهذا ما يحدث فعلا مع اقتراب العطلة الصيفية والاستعداد للعودة إلى أرض الوطن. في السابق كنا نختلق بعض الأعذار، مثل مرض أحد أفراد العائلة في المغرب، أو موت جد الطفل أو جدته أو إحدى عماته. كانت الحيلة تنطلي على مسؤولي المدرسة قبل أن يكتشفوا أن حوادث موت الأقارب أو مرضهم المفاجئ يحدث كل سنة مع اقتراب العطلة الصيفية.

“توجيه التلميذ وإعداده للمستقبل أمران ضروريان لجني ثمار الاستثمار في التعليم، وإلا أصبح استثمارا بائرا وهدرا لا مبرر له”

قبل بضعة أيام حضرت لقاء “تحسيسيا” في إحدى الثانويات بهدف إخبار أولياء أمور التلاميذ والتلاميذ أنفسهم، بالإمكانيات المتاحة إذا قرر التلميذ أن يختار مسارا معينا، مثل التعليم المهني أو التعليم النظري الذي عادة ما يقود إلى الجامعة والبحث العلمي. كان المسؤول عن اللقاء متحمسا جدا لتوضيح ما يريد توضيحه حتى يكون التلميذ وولي أمره على بينة مما هو مقدم عليه. الشيء الثابت في كل هذا هو أن أبواب التعليم والتحصيل العلمي مشرعة أمام الجميع، والفرق الوحيد هو طول أو قصر المسار. فمن التلاميذ من يريد أن يدخل سوق العمل بسرعة، ومنهم من يريد أن يستغل وقته للحصول على أعلى شهادة حتى ولو تأخر عن سوق العمل بضع سنوات. ما استغربت منه حقا هو أن بعض التلاميذ يختارون، عند نهاية مشوار التعليم الإعدادي والثانوي، البقاء بلا مدرسة. منهم من يذهب للعمل في مجال آخر غير مجاله الذي تخصص فيه، ومنهم من يفضل السفر إلى بلاد بعيدة لكسب تجربة حياة لا توفرها المدرسة، ومنهم كذلك من يقرر البقاء في البيت للتفكير في ما يريد فعله. وعلى أية حال، تبقى أبواب التعليم مفتوحة حتى بعد انقطاع طويل عن الدراسة، وكأن هؤلاء الناس من يطبق فعلا مأثورة التعلم من المهد إلى اللحد.

توجيه التلميذ وإعداده للمستقبل أمران ضروريان لجني ثمار الاستثمار في التعليم، وإلا أصبح استثمارا بائرا وهدرا لا مبرر له. التعليم ركن أساسي لتقدم الشعوب والأوطان، ولذلك لا نستغرب إذا علمنا أن هولاندا من ضمن الدول العشر الأولى في التعليم على الصعيد العالمي، وخصصت له في موازنة السنة الحالية (2018) ما مجموعه 79 مليار يورو من أصل 277 مليار يورو، وتأتي في المرتبة الثالثة متقدمة بذلك على موازنات أهم الوزارات مثل الخارجية والدفاع والأمن والداخلية والبنية التحتية.   

 

* المساء، 2 فبراير 2018

Comments

comments