محمد أحداد: “ليس لدينا الحشيش والسياسيون”

  • 0
محمد أحداد صحيفة المساء

محمد أحداد
صحيفة المساء

حكى لي برلماني كان عضوا بلجنة تقصي الحقائق حول ملف المخدرات في قلب جدل أثاره التقرير الأوربي الشهير الذي اتهم شخصيات سياسية معروفة بالاتجار الدولي في الحشيش… أنه وبعد أن اشتد الخناق عليه من شركائه الأوربيين، جاء إدريس البصري وحسني بنسليمان وقتها (لحسن الحظ لم يكن هناك بنعزوز وبنشماس) إلى البرلمان، ليقدما رؤية الدولة التي هزها التقرير في مجال محاربة زراعة القنب الهندي.

لكن جوهر القصة هو أن حسن أبو أيوب الذي كان وزيرا للفلاحة وقتذاك، وكان من بين المستدعين لتقديم شهادتهم أمام لجنة تقصي الحقائق، قال للبرلمانيين في جلسة مغلقة حينما سئل عن حجم الأراضي المزروعة بالكيف، إنه “لا توجد نبتة في المغرب اسمها القنب الهندي”. ولما رفع رأسه ووجد النواب يطلقون ضحكات مجلجلة، لم يجد بدا من الاستدراك: “أقصد أنه لا نتوفر على سجل في وزارة الفلاحة يحتوي على إحصائيات بخصوص الكيف”..
لماذا هذه القصة؟
إنها تنسحب على حالات الإنكار التي لا يكف سياسيون من مواقع مختلفة عن اللجوء إليها.. فهاهي تصريحات حكيم بنشماس وعزيز بنعزوز، المسؤولان عن مقاضاة الصحافيين بعقوبات جنائية، لا تصمد إلا أسبوعا واحدا فقط ليكتشف الجميع أن المناضل التقدمي في الحزب “الحداثي” – نقصد بنعزوز- أثار في محاضر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية أسماء الصحافيين وعناوين المقالات، ويبدو أنه حفظها عن ظهر قلب كي يجرجرهم أمام المحاكم رفقة الشخص الذي رافق ابن كيران إلى جلسة الاستماع حول وضعية صندوق التقاعد. أما زميله في الحزب، رئيس المؤسسة الرابعة في هرم الدولة، وبعد أن دبج بيانا طويلا ينفي فيه أن يكون وراء جر الصحافيين إلى المحاكمة، فقد تبين بالوثائق أنه طلب من النيابة العامة التحقيق في نشر أخبار صحيحة وحقيقية. ولم يتوقف عند هذا الحد، بل حدد لائحة الصحافيين الذين يجب أن يذهبوا للمقصلة..
ومع قليل من التحوير لقصة “لا يوجد حشيش في المغرب” التي نكت عليها البرلمانيون طويلا، فإن الحكومة الحالية كادت أن تقول للمغاربة “لا يوجد درهم” بعدما عمدت البنوك، في صراع محموم، إلى استنزاف العملة الصعبة والتورط في مضاربات دفعت والي بنك المغرب إلى مهاجمتها بلغة صريحة وليست مبطنة كما كان يفعل في السابق.. الكل أنكر قصة تأجيل التعويم، ولم يملك أحد الجرأة ليشرح لنا لماذا أخرت الحكومة تنفيذ قرار يهم مصير بلد وعملته النقدية وتوازناته الاقتصادية حتى اعترف الجواهري أخيرا بأن البنوك الكبرى استبقت التعويم بمضاربات أضرت احتياطات البلاد من العملة الصعبة..
قبل قرار التعويم أنكر رئيس الحكومة سعد الدين العثماني أثناء تقديم حصيلة مئة يوم من عمر الحكومة بالرباط، إمكانية حدوث تعديل حكومي رغم أن البلاد في تلك اللحظة كانت مقلوبة بسبب حراك الريف. وكان الملك قد أمر مفتشيتي المالية والداخلية بالقيام بتحقيق حول مشاريع منارة المتوسط المتعثرة، وكان الجميع يترقب قرارات الجالس على العرش.. وأتى الزلزال الملكي والذي حدث أن الأمر لم يعد يقتصر فقط على ترميم إنما على بناء التحالف الحكومي من جديد.. بطبيعة الحال، العثماني سيكتفي بتوزيع الابتسامات كيفما اتفق دون أن يملك شجاعة الاعتذار..
في دول أخرى حيث يحترم الرأي العام والكتلة الناخبة والصحافة، تنتمي تلك الحالات إلى باب الفضيحة السياسية التي قد تدفع المسؤولين إلى الاستقالة لأنها من الحالات “الشاذة” في السياسة، أما في هذه البلاد التي “نكرهها باعتدال”- كما قال الشاعر- فإن القاعدة هي الإنكار ثم الإنكار ببساطة شديدة.. لأنه “لا يوجد لدينا سياسيون”..
* عن المساء، 1 فبراير 2018

Comments

comments