لبيب فهمي: ديموقراطية سويسرا الحيوانية

  • 0
لبيب فهمي - إعلامي مغربي

لبيب فهمي – إعلامي مغربي

محظوظ سرطان البحر في سويسرا.. فقد أصبح محظورا على السويسريين إلقاؤه حيا في الماء المغلي كما جرت العادة لطهيه، وذلك بموجب قرار من الحكومة السويسرية التي تتطلع إلى تحسين طريقة معاملة الحيوانات. ويضيف النص القانوني المتعلق بسرطان البحر وفصيلته بأنه يمنع نقلهم في الثلج أو في مياه باردة جدا، ولكن في ظروف تتماشى مع بيئتهم الطبيعية. وسوف يكون من الضروري ابتداء من الآن تنويم أو تخدير سرطان البحر بالكهرباء قبل إلقائه في الماء المغلي والاستمتاع بوجبة لا يعرف مذاقها سوى جزء ضئيل من المواطنين أي الأغنياء.

عندما قرأت الخبر تأكدت أولا أننا لسنا في شهر أبريل وكذباته وقرأت عشرات القصاصات الإخبارية لفهم فحوى القرار ومغزاه، وذكرني مرة أخرى بالاختلاف الحضاري الذي مازلت أجره منذ حوالي ثلاثين سنة من الإقامة في أوروبا، حتى داخل العائلة نفسها. فبينما تحب زوجتي الحيوانات وتسعى بكل جهدها إلى تعليم أطفالنا مبادئ الرفق بها ما زلت أعشق من جهتي الحيوانات.. في طاجين بلدي من الأفضل. هذا لا يعني أنني ضد العناية بها وحسن معاملتها، ولكن هذا التفريط في الاهتمام بالحيوانات في وقت ما زال بعض المواطنين يلتحفون السماء في أفخم شوارع العواصم الغربية، أعتبره نوعا من الاستهتار بالإنسان.. وبالحيوان.

يثير مخرج الأفلام الوثائقية، الأمريكي مايكل مور، في أحد أفلامه مسألة تأثر مواطنين، في الولايات المتحدة الأمريكية، بموت كلب أو أرنب، لم أعد أتذكر، أكثر من مشاركتهم معاناة مواطنين آخرين. فقد أصبح الحيوان الضحية التي يجب إنقاذها حتى وإن تطلب ذلك التضحية بالإنسان. ولا يتردد الكثير من المتسولين في شوارع بروكسل من اصطحاب الكلاب لأنهم متأكدون من أن ذلك سيساعدهم في الحصول على بعض النقود من المارين، وهو ما يحدث بالفعل إلى درجة أن بعضهم قد لا ينظر إلى المتسول ولكنه يشفق على كلب يعيش في الشارع.

آه لو يقوم هؤلاء بزيارة لأي مدينة مغربية حيث الكلاب الشاردة تنعم بالحرية وإن كانت قد لا تحصل على ما تسد به جوعها وتحصل على قسط لا يستهان به من الضرب لإبعادها. سيصابون دون شك بأزمة قلبية وقد يدفعهم ذلك ربما إلى إنشاء أمم متحدة خاصة بالحيوانات.

كان ماركس وإنجلز ينعتان نشطاء حماية الحيوانات بالبرجوازيين، بينما كان جورج أورويل يستهزئ بالنباتيين وما زال سلافو جيجكك يعتبرهم منحرفين. لكن الأمر، على ما أعتقد، أكثر تعقيدا. فالاهتمام بكل أنواع الحيوانات، الرفق بها وحمايتها ومعاقبة المعتدين عليها من المتاجرين والممتلكين العاديين، يحتاج أولا إلى الاهتمام بالإنسان. فتوعية المواطن بأخطار اللحوم في بلداننا مثلا، وهو لم يشبع بعدحتى من صنف واحد منها، غير مجد. وإعطاء الحيوانات وضعا يتجاوز ما يمنح للانسان في بعض الدول الغربية غير مقبول أيضا. وعلينا بالتالي إيجاد تطبيق عملي لمبدأ المنزلة بين المنزلتين. فالقانون المدني الفرنسي الذي قام في أبريل 2014 بإزالة الوضع القانوني للحيوانات على أنها “ممتلكات” أو “أثاث”، يحتاج إلى التأكيد على أن الإنسان أيضا يستحق الرفق والحماية في مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي عصفت بحياة الكثير من المواطنين شمالا وجنوبا، وجعلتهم يُعاملون أقل من الحيوانات. وعندها فقط يمكن قبول ديمقراطية سويسرا الحيوانية، في أفق إرساء ديمقراطية للجميع، تمكن أيضا الكل من التمتع بوجبة سرطان البحر.. ولكن تلك حكاية أخرى.

* نشر في صحيفة المساء، 30 يناير 2018

Comments

comments