لبيب فهمي: سوريالية بلجيكا

  • 0
لبيب فهمي - إعلامي مغربي

لبيب فهمي – إعلامي مغربي

سيحتفل العالم الغربي هذه السنة بالذكرى الخمسين لثورة الطلاب والشباب التي شهدتها العديد من الدول كفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية؛ ثورة شكلت مرحلة مهمة في تطور هذه البلدان نحو تعزيز الديمقراطية وحرية التعبير وحقوق الإنسان، خاصة فيما يتعلق بالحريات الفردية.

بلجيكا، المعروفة ببلد التوافقات السياسية والسوريالية، بدأت من جهتها، هذا الأسبوع، الاحتفال بالذكرى الخمسين لثورة الطلاب الفلامانيين على الفرنكفونيين، وميلاد الدولة الفدرالية. ففي منصف يناير 1968 أي قبل أشهر من اندلاع ثورة مايو، أطلق الطلاب الفلامنيون في الجامعة الكاثوليكية بلوفان، بدعم من أساتذتهم، تحركاتهم للمطالبة بتقسيم الجامعة ورحيل الجناح الناطق بالفرنسية الذي كان يسيطر على قرارات الجامعة.

وشهد البلد أسابيع من الإضرابات والمظاهرات المتواصلة، والمواجهات مع قوات الأمن. وقد وصل الأمر بالطلبة الفلامانيين إلى إضرام النار في مكتب رئيس الجامعة، وتفريغ محتويات طفايات الحريق في أقسام الطلبة الفرنكفونيين.. ودفع الوضع المتفجر بإدارة الجامعة إلى تعليق الامتحانات، بينما انتقلت شرارة الثورة إلى المؤسسات الأكاديمية الأخرى في منطقة الفلاندر. ولم تعد الحياة الجامعية إلى طبيعتها سوى في فبراير بعد قبول الأساقفة إعادة النظر في رفضهم لتقسيم الجامعة، وبعد انهيار الحكومة ووضع الحكومة الجديدة لمطلب تقسيم الجامعة في برنامجها، لتنطلق مرحلة جديدة من تاريخ بلجيكا سيتم خلالها تسريع عملية تقسيم البلد نفسه، إلى مناطق إثنية: فلامانيين في الشمال ووالونيين – فرونكفونيين – في الجنوب وألمان في الشرق، في إطار فيدرالية تضم الجميع.

أما عن عدد الإصابات والمعتقلين خلال هذه الأحداث فلم تحتفظ الذاكرة الجماعية بأي أرقام محددة، لأن الفترة ربما لم تعرف هذه الظاهرة أصلا. فالمواجهات مع الشرطة وأعمال الشغب لا تؤدي بالضرورة إلى الإصابات والاعتقالات في دولة الحق والقانون، وحتى إن تم ذلك فمدة التوقيف تكون قصيرة لتذكير المذنبين بوجود يد عليا تمتلك حق استعمال العنف وليس التفريط.

“سريالية بلجيكا الفنية والسياسية تضحك الكثيرين، ولكنها على الأقل تتفادى المواجهات الدامية لملايين المواطنين”

واليوم في بلجيكا، إذا أردت الانتقال بالقطار من مدينة أوبين إلى مدينة أوستند، عليك أن تتقن ثلاث لغات لفهم الإعلانات داخل القطار. إذ تبث فقط باللغة الألمانية في أوبين، وفقط باللغة الفرنسية عند الوصول إلى مدنتي فيرفيه ولييج، وباللغة الهولندية -الفلامانية – فقط في لوفين وخنت حتى الوصول إلى أوستند. ولكن لا أحد يعتبر أن هذا الأمر انتهاكا للوحدة الوطنية أو تطرفا. فالوضع سمح للمناطق المختلفة بالاهتمام بلغاتها الأصلية ودفع بالمواطنين إلى تعلم لغات أخرى، وتحولت بلجيكا، بفضل إضراب طلابي، إلى مثل في التسيير الذاتي للجهات في أوروبا وباقي أنحاء العالم. ويعتبر نظامها الفدرالي حاليا، رغم نواقصه، من أرقى الأنظمة المطبقة في العالم.

بالطبع هذا لا يعني أن البلد لا يمر، من وقت لآخر، بأزمات سياسية حادة، تعود جلها إلى مطالب الفلامانيين بتعزيز أكبر للتسيير الذاتي للجهات، يؤدي في بعض الأوقات إلى فراغ سياسي. فقد عاشت بلجيكا خلال سنوات 2010-2011 بدون حكومة، 541 يوما أي 18 شهرا، إلى أن شكلت حكومة ائتلافية مكونة من ستة أحزاب (الاشتراكيون، واليمين الليبرالي والديمقراطيون المسيحيون، من الناطقين بالفلانية والفرنسية) في 6 ديسمبر 2011 لتنتهي أطول أزمة سياسية في العالم . لكن، طوال هذه المدة، لم تطلق أي رصاصات، باستثناء الكلامية، ولم يعتقل أحد لأنه عبر بكل صراحة عن توججه الانفصالي وحتى الجمهوري. فكل شيء تم بالحوار والنقاش والتوافق.. في انتظار أزمة أخرى.

سريالية بلجيكا الفنية والسياسية تضحك الكثيرين، ولكنها على الأقل تتفادى المواجهات الدامية لملايين المواطنين. ويمكن للفرنسيين أن يواصلوا نكاتهم عن البلجيكيين “السذج”، فهؤلاء غير مكترثين لذلك وغير متكبرين لأنهم يدركون أن العديد من الأسماء اللامعة، فنيا وثقافيا وسياسيا، والتي يحتفى بها في فرنسا، أصلها بلجيكي كجاك بريل… ولكن تلك حكاية أخرى.

*نشر في المساء بتاريخ 23 يناير 2018، ويعاد نشره في أنوال.نت باتفاق مسبق مع الكاتب.

Comments

comments