محمد أمزيان: معابر الموت

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

ليست هي المرة الأولى، ونتمنى صادقين أن تكون هي المرة الأخيرة، التي تُهان فيها كرامة المواطن المغربي بالدّوْس حتى الموت عند معبر باب سبتة الحدودي. ألا تستدعي هذه الحوادث المتكررة التفكير في حل لمأساة مئات الضحايا من الأسر التي “اختارت” عن غير طواعية معابر الموت من أجل التشبث بالحياة؟

التهريب ممنوع بالقانون، وبالقانون يُعاقَب من يقوم به، بنفس الدرجة التي ينبغي معاقبة كل من يُسهّله أو يتغاضى عنه أو يشجعه من بعيد. هذا هو المنطق. لكن ما يحدث بباب سبتة أو ببني انصار انطلاقا من مدينة مليلية، وعلى مرأى ومسمع من الجميع: شرطة، جمارك، درك، مخابرات، عناصر من القوات المساعدة وما إلى ذلك من الأجهزة الأمنية بلباسها الرسمي أو بلباسا المدني، ليس تهريبا عشوائيا يقوم به أفراد معزولون ينشطون خارج نطاق القانون، بل يبدو وكأنه نشاط “مواز” منظم يختفي وراءه أناس من الوزن الكبير، في التجارة والاقتصاد الموازي. فلماذا يتم التغاضي عن هذا النشاط المخرب للاقتصاد الوطني؟ وحينما تهب حملة “تنظيف” تلك المعابر مثل عاصفة هوجاء، لماذا يعاقب فقط الحَمّالون والحَمّالات (مع الاعتذار عن استخدام هذا المصطلح)، بينما يتم التجاوز عمن يحركونهم من وراء ستار؟ ليس خافيا أن المهربين الكبار هم من يستفيد من مأسي الحمّالين الفقراء، سواء من داخل المدينتين السليبتين، أو من داخل مدن المملكة. وحده الموت يُذكّر الأحياء بالضحايا، أما الحكومة فلا تفكر فيهم، وإن فكّرت فلا تُتبِع ذلك بإجراءات فعالة، أو حتى بوعود، لوضع حد لهذه المذلة وهذا العار الذي أصبح لصيقا بفئة مهمشة ومهشمة من المغاربة.

“إذا أردنا حقا التفكير في وضع حد لهذه المأساة، ما علينا إلا أن نبدأ بقطع دابر الفقر ومعاقبة تجار الدم: المهربون الكبار”

ندرك أن مسألة التهريب من هاتين البوابتين تستعصي عن الحل، لكن المسؤولية تقتضي مع ذلك التفكير الجدي في إيجاد مَخرج “إنساني” لقضاء هؤلاء المساكين تحت أقدام “رفاقهم” في الذل. هذه المسألة لم تعد تحتمل الانتظار أو التأجيل أو إدخال عامل الربح والخسارة السياسية في العملية. إنها الكرامة أيها الناس، كرامة وطن تُداس على مدار ساعات الليل والنهار على بوابتيه الشماليتين.

هل يمكن تنظيم التهريب “قانونيا”؟ لا بطبيعة الحال وإلا أصبحنا نُشرعن ما لا يُشرعَن، ولكن على المسؤولين عن هذه المعابر أن يعترفوا بأن  هناك ضحايا، هناك إهانات، هناك إذلال، هناك مشكل هيكلي في حاجة لحل هيكلي لا تنفع معه المطاردات العشوائية لبعض الحمّالين، بينما يتم التغاضي عن المصدر الأساسي للمذلة، ألا وهو الفقر وانسداد الآفاق؛ الأمر الذي يدفع أرباب الأسر المعوزة للمخاطرة بحياتهم من أجل أن يحيا أبناؤهم. ينبغي التفكير أيضا في “الكبار” الذين يسترخصون دماء الفقراء، بينما هم ينعمون بما يجنون من أموال ملطخة بالدماء. ينبغي الاعتراف كذلك بأن الفقر أداة قاتلة، إن لم تقتل صاحبها، تتحول إلى قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت وفي أي مكان.

مشكلة معابر الموت ليست إنسانية فحسب، بل هي أساسا سياسية واقتصادية واجتماعية. لذلك تحتاج إلى إرادة جامعة صادقة تتضافر فيها كل الجهود، وعلى رأسها إرادة سياسية واضحة تضع أسباب هذه المأساة على رأس سُلم الأولويات.

أعرف معبر سبتة جيدا، وعاينت على مدار السنوات مظاهر الإذلال عن قرب. كم من دموع تسيل على أعتاب هذا المعبر، كم من أصناف المَهانة يتلقاها من اضطرته قسوة الحياة إلى تهريب متاع الغير إن لم “يدهن” حراس المعبر. كم من كلام جارح وشتائم يتحملها كل من حوّلهم الفقر إلى مهربين من الدرجة تحت الصفر، بينما المتاجرون في المآسي ينعمون بلا أدنى تأنيب للضمير. فإذا أردنا حقا التفكير في وضع حد لهذه المأساة، ما علينا إلا أن نبدأ بقطع دابر الفقر ومعاقبة تجار الدم: المهربون الكبار.     

* نشر في المساء، 22 يناير 2018   

Comments

comments