محمد الداودي: يوم قُتل طرزان.. ذكريات عن أحداث يناير 84

  • 0
محمد الداودي - الريف - المغرب

محمد الداودي – أستاذ جامعي 

كانت ليلة الثاني والعشرين من يناير 1984 ليلة باردة ككل ليالي يناير، ولم يكن وسط المنزل الكثير من الأثاث الذي قد يمنحك الإحساس بشيء من الدفء. طاولة وكراسي وخزانة كتب وجهاز تلفاز بالأبيض والأسود. على باب الخزانة الزجاجي ملصق صغير لشعار حركة فتح والعلم الفلسطيني… العاصفة.. ثورة حتى النصر. أعتقد أنه من تلك الهدايا الصغيرة التي تأتي بين صفحات المجلات العربية التي كان يشتريها أخي الأكبر: العربي الصغير، المزمار… كان يجمع كل فرنك يحصل عليه لشراء مجلة ما، بينما كنا نحن الإخوة الصغار نتسابق لشراء الحلوى. داخل مقر الشرطة في تلك الأيام، لم يحصل أخي لا على حصة حلوى ولا على مجلات. كل ما حصل عليه هو حصص هائلة من السب والشتم والضرب والتعذيب.

كان قد بدأ لتوه المرحلة الثانوية. لحسن الحظ أنهم أطلقوا سراحه في وقت متأخر من الليل بعد أن ذهب والدي للسؤال عنه. جلسنا كلنا تقريبا وسط المنزل نشاهد الخطاب. ما كنا نسمعه ونراه على جهاز التلفاز لم يكن ليبعث فينا أي دفء أيضا. كنت جالسا على كرسي من خشب الزان على اليمين. أحاول اتقاءً للبرد أن لا يمس ظهري الحائط. على يساري أمي ثم أبي وهما جالسان في الخلف. كرسي أبي مغطى بجلد من صوف الخروف يجعل الجلوس على كرسي في هذه الليالي الباردة أقل عذابا. شيء ما يدور برأس كل واحد منا. لم أفقه أشياء كثيرة سمعتها في مهرجان التهديد والسب والشتم على جهاز التلفاز، لكن نظرة واحدة للوجهين المتجهمين لأمي وأبي كانت كافية، خاصة أمي.. كان واضحا تقلب ملامح وجهها مع مرور الدقائق والشتائم. ربما كانت المسكينة تنتظر عفوا على من اعتقل ورفعا لحالة الاستثناء في المدينة. ربما سيضع الخطاب حدا للأيام الحالكة هذه. تَمْتَمَتْ بشيء لم أفهمه. تجهم وجه والدي كان من نوع مختلف، هو تجهم من سبق وخَبِرَ كل هذا ولا شيء يفاجئه فيما يقع.

هي أيام أتذكر منها مشاهد العسكر وهم يجرون شبابا بالضرب المبرح حتى يزجوا بهم داخل سيارات الجيب، العسكر في كل مكان. عند اشتداد الوضع، قرر والدي أن يمنعنا من الذهاب إلى المدرسة. كنت تلميذا بالإعدادية الجديدة. أحاول الخروج من المنزل لأعاين ما يقع. تطل أمي من النافذة لتحثنا على الرجوع والدخول إلى المنزل، أو على الأقل الجلوس بجانب الباب وعدم الابتعاد. على الشارع المؤدي لثانوية البادسي أرى سيارات جيب عسكرية ينزل منها تباعا أصحاب خوذات خضراء. رؤية الخوذات الخضراء في كل شارع وزاوية بالنسبة لطفل أكمل الثانية عشر من عمره منذ بضعة أسابيع ليست بالشيئ الجميل الذي تزدان به طفولته. عند تقاطع شارعي يوسف بن تاشفين وصلاح الدين الأيوبي، ينهال عساكر على شابين ضربا وتنكيلا قبل أن يدفعانهما دفعا نحو سيارة الجيب.

“طرزان الفيلم كان بطلا لا يموت، ولم تخترق صدره العاري رصاصة قاتلة في يناير، مثل تلك التي اخترقت صدر طرزان الحسيمة لتحبس حركته إلى الأبد”

ثم ماذا عن طرزان.. لا، ليس بطل الأدغال. طرزان هو أحد أطفال الحي. كان طرزان يكبرنا أنا وأصدقاء الحي بقليل، سنتان ربما أو ثلاث، أو ربما أربع، لكنه كان قصير القامة فلم يكن فرق السن باديا. اشتهر بهذا اللقب لأنه كان يقلد البطل في الفيلم السينمائي الذي يقفز في الأدغال من حبل لآخر ومن شجرة لأخرى وهو يصيح “آ آ ها آآآ “. كانت أفلام طرزان على التلفزة الإسبانية موعدا لا يمكن أن نخلفه أبدا خاصة يوم السبت بعد وجبة الغذاء. لم يكن بث التلفزة المغربية آنذاك يبدأ إلا عند الساعة السادسة والنصف مساء، أو ربما السابعة. لا أتذكر جيدا.

قبل التحاقي بالمدرسة الإعدادية، كنا نلعب مع طرزان قرب منزل في طور البناء في شارع القاضي عياض. ربما كان منزلا لأحد أقاربه. ورش بناء مثل ذلك يشبه بالنسبة لنا مدينة ملاهي. فهو فضاء يصلح للعب أي شيء، الكانتشو والطرومبو والبولا والقفز من علو أمتار على أكوام الرمل والتأرجح بين الحبال وأعمدة الخشب. كان طرزان يقفز ويمسك بيديه على طرف حبل طويل يستعمل لرفع مواد البناء من الأرض إلى فوق، ثم يتدلى منه وهو يصيح بأعلى صوته.. “آآآآآهاآآآ” .. تماما مثل طرزان في الأدغال. كان طرزان الحسيمة مغامرا نشيطا يفيض حركة وبغير قليل من الشقاوة أيضا. ذات مرة في رمضان وبينما كنا نصلي صلاة المغرب في مسجد السذراوي كعادة الأطفال الصغار كل رمضان، دخل هو وفي يده نصف عصا خشبية أتى بها من ورش البناء. كنا في الصف الأخير، فاقترب خلفنا وانتظر حتى هوينا للسجود فإذا به يضرب بعصاه على مؤخراتنا جميعا. قمنا من سجودنا مهرولين خلفه لملاحقته بينما ركض هو هاربا مقهقها. كنت غاضبا لكن سرعان ما انفجر الجميع ضاحكا ونحن نركض خلفه خارجين من المسجد.

“هي أيام أتذكر منها مشاهد العسكر وهم يجرون شبابا بالضرب المبرح حتى يزجوا بهم داخل سيارات الجيب، العسكر في كل مكان”

كنا نتسابق أحيانا على تسلق الأشجار. كانت الأشجار المفضلة لدي تلك التي توجد أمام مدخل مصلحة الضريبة قرب نافورة المسجد. كانت أشجارا غير ذات علو كبير، وجذوعها كثيرة وملتوية بشكل يسهل عليك تسلقها. كان طرزان يتدلى أحيانا من أحد تلك الجذوع بكلتا يديه فيبدأ بحركاته وأصواته بتقليد “تشيتا”، القرد الصديق لطرزان. لكن طرزان الفيلم كان بطلا لا يموت، ولم تخترق صدره العاري رصاصة قاتلة في يناير، مثل تلك التي اخترقت صدر طرزان الحسيمة لتحبس حركته إلى الأبد.

في تلك الليلة أمام التلفاز، سمعت أشياء كثيرة لم أكن أفقهها.. ظللت بعد ذلك اليوم أسأل الآخرين ماذا تعني الماركسية اللينينية، من هم الأوباش.. هل يا ترى ضربة طرزان على مؤخراتنا في المسجد تكتيك ماركسي لينيني أم فتوى خمينية.. لم أكن أفهم الشيئ الكثير من كل ذلك. كل ما كنت أفقهه هو أن طرزان لن يعود يوما ليلعب معنا.

محمد الداودي (يناير 2018)

Comments

comments