محمد أمزيان: وثيقة 11 يناير ليست عيدا وطنيا

  • 0
محمد أمزيان

محمد أمزيان

بدون خلفيات سياسية أو أيديولوجية أو ذاتية، أرى أنه من المصالحة الوطنية ومصلحته أن يُلغى عيد الاحتفاء بوثيقة الحادي عشر من يناير، واستبدال مناسبة العطلة الرسمية بإغلاق الإدارات والمصالح العمومية، بعيدٍ آخر نسميه “يوم المواطن” يُفتح فيه المجال أمام المبادرات المواطِنة للتعبير عن نفسها بلا قيود ولا حدود. وقد نسميه كذلك “يوم الحرية” مثلما كان طلبة جامع القرويين يفعلون في زمن من الأزمان مع احتفالات “سلطان الطلبة”.

أبادر إلى القول بأنني أعتز بصداقات إنسانية مع استقلاليين تبوأوا أعلى المناصب في السياسة والدولة، وأحترم قناعاتهم الشخصية ونضالاتهم من أجل مبادئهم. فهذا حق لا نزاع فيه، وكلامي هذا لا يستهدف الاستقلاليين ولا المتعاطفين معهم، وإنما يتطرق لمناسبة حزبية أصبحت في ظروف معينة “عيدا وطنيا” يسري على الجميع.   

أقدر تبعات هذه الدعوة وما ستجره علي من متاعب، لكن لا بد من القول إن الهالة التي أحيطت بها تلك الوثيقة حتى أوصلتها إلى مستوى التقديس والتصنيم من طرف البعض، لا تزيد إلا في فتح جراحاتٍ في الذاكرة الجماعية للمغاربة. وسأحاول شرح ما أقول بالعودة قليلا إلى الماضي لـ”دفنه”، وبالتالي الاستعداد لمستقبل رحب نتمناه خيرا لبلادنا.

تاريخيا، لم تحقق وثيقة الحادي عشر من يناير ذلك الإجماع الذي نتخيله الآن حتى بين الأحزاب السياسية المهمة التي كانت نشطة في ذلك العهد، فبالأحرى أن تحقق إجماعا داخل صفوف الفئات الشعبية، سواء في المنطقة “السلطانية” الخاضعة للحماية الفرنسية، أو في المنطقة “الخليفية” التي كانت تحت سيطرة الحماية الإسبانية. بل أكثر من ذلك، فقد عبّر المرحوم محمد حسن الوزاني، زعيم حزب الشورى والاستقلال الذي كان حزبه يحمل اسم “حزب الحركة القومية” آنذاك، صراحة عن مخاوفه من أن تكون الوثيقة والضغوطات التي مورست عليه للتوقيع عليها، تضمر في جوهرها محاولة القضاء على حزبه نهائيا (مذكراته “حياة وجهاد، ج.2)، واعتبر ممارسات حزب الاستقلال نوعا من فرض سياسة “الأمر الواقع” عليه شخصيا وعلى حزبه الذي كان بطبيعة الحال أصغر حجما وأقل قوة من حزب الاستقلال، لكنه كان يملك مشروعا حداثيا لشكل النظام السياسي.

كما أن نشطاء الحركة الوطنية في المنطقة “الخليفية” على اختلاف مشاربهم كانوا قد أعلنوا، في صيغة “ميثاق وطني” جمع حزب الإصلاح الوطني وحزب الوحدة المغربية، عن ميلاد ما أسموه “الجبهة القومية المغربية”، والتي نادت لأول مرة في تاريخ الحماية على المغرب بـ “سقوط نظام الحماية المفروض في جميع أطراف المغرب” (ابن عزوز حكيم، وثيقة المطالبة بالاستقلال والوحدة، مجلة الوثائق الوطنية، ع. 5-6). كان ذلك في الرابع عشر من فبراير 1943، أي حوالي سنة قبل وثيقة حزب الاستقلال. فلماذا لم يُتخذ هذا التاريخ كأول يوم طالب فيه المغاربة بالانفصال عن الحماية؟ هل لأن المنطقة “الخليفية” كانت مجرد ذيل تابع للمنطقة “السلطانية” وأن الوطنيين هناك لا حق لهم في الكلام عن باقي الوطن؟

“تاريخيا، لم تحقق وثيقة الحادي عشر من يناير ذلك الإجماع الذي نتخيله الآن حتى بين الأحزاب السياسية المهمة التي كانت نشطة في ذلك العهد، فبالأحرى أن تحقق إجماعا داخل صفوف الفئات الشعبية”

أكثر من ذلك، فإن وثيقة 11 يناير 1944، أتبعها حزب الاستقلال بـ”بيان توضيحي” يوم 19 يناير، ومما جاء فيه أن “الحصول على الاستقلال [يكون] في دائرة مشروعة، ولم تكن غايتنا بذلك تهييج الأفكار أو إثارة نار الفتنة بداخل البلاد” (الوزاني، المصدر السابق). كما أعقبت قيادات من حزب الاستقلال بإصدار بلاغات تُطمئن بها “فرنسا الحرة” (فرنسا ديغول) بأن ليس لدى الوطنيين رغبة في “تعطيل المجهود الحربي (حرب تحرير فرنسا من البيتانيين) ولا يريدون تحقيق هدفهم عن طريق العنف”. جاءت هذه التطمينات بعد أن صدق كثير من المغاربة مطالب الوثيقة وخرجوا للتظاهر تعبيرا عن رغبتهم في التحرر من فرنسا، في حين لم يكن الاستقلاليون أنفسهم، إما غير جادين أو غير مقتنعين بما سطروه ووقّعوا عليه.

فكيف يُطالب منا حتى اليوم أن نحتفل بـ”عيد وطني” لم يكن في يوم من الأيام سوى منشور حزبي؟   

11 يناير 2018 (نشر في أنوال.نت، 15 يناير 2018)

Comments

comments