محمد أمزيان: إعادة كتابة التاريخ.. هل هي دعوة انتقائية؟

محمد أمزيان

محمد أمزيان

تظهر بين الفينة والأخرى دعوات لـ “إعادة” كتابة التاريخ. من الداعين من ينتمي لحقل البحث العلمي، وهؤلاء يدركون جيدا إلى ماذا يدعون. وهناك من لا يمت إلى البحث العلمي بصلة، وهم أكثر ضجيجا، ودعوتهم تستند على رفض كل ما هو مكتوب على اعتبار أنه “رسمي”، وبالتالي فهو تاريخ مزور أو على الأقل مشكوك فيه.

أعتقد أن تاريخ المغرب في حاجة ماسة لإعادة النظر في جميع محطاته، وفتح صفحاته التي قد تكون قاسية أحيانا على ذاكرتنا المشتركة. ذلك أن التاريخ/الماضي هو “الكرسي” الذي يقوم عليه الحاضر، وبالتالي يمكن الاستفادة منه للاستعداد الجيد للمستقبل. أحد أشهر الكُتاب السعوديين المغضوب عليهم، المرحوم عبد الله القصيمي، سبق وأن قال في إحدى كتاباته ما معناه: إن التاريخ أشهر مكذوب عليه. وأرى أنه محق في هذا الاستنتاج حينما يُتخَذ التاريخ مطية لتبرير فعلٍ معين، أو لكسب شرعية غير مؤكدة، أو تفسير ظاهرة اجتماعية أو ثقافية تتميز بها منطقة ما أو جماعة تخرج عن النسق “العام”.

هل التاريخ علم أم فن؟ أم هو حقل مُشرَع أمام من لا علم له ولا فن؟

أعتقد أنه علم مثل باقي العلوم، وبالتالي يحتاج لعلماء يملكون أدوات التشريح والتفكيك ثم إعادة التركيب. وهذه الأدوات ليست متاحة أمام الجميع حتى يفتي فيه كل من هب ودب، وهذا مع الأسف ما نلاحظه في الوقت الراهن بخصوص بعض القضايا الحساسة التي يحاول البعض تركيبها وفق هواه، أو الركوب عليها لخلخلة بعض الوقائع، وبترها من سياقها الزمني والتاريخي بهدف إسقاطها على أحداث تجري في الزمن الراهن، ولم تتشكل بعد تشكُّلا واضحا. ولعل “الإسقاط” هو أكثر ما يُربك المشتغل بحقل التاريخ، سواء أكان “عالما” أو “هاويا” أو “متطفلا”. لذلك نرى بعض من يمتلك فعلا أدوات المؤرخ، يترك مهمة البحث العلمي جانبا مؤثرا سلامة التدريس. وفي هذا خسارة كبيرة. هذا فضلا عن أن شروط البحث العلمي، من استقلالية ومراكز بحثية وأموال وما إلى ذلك، غير متاحة في بلادنا. كما أن “صُناع” التاريخ عندنا، مثل السياسيين الذين يهيمنون على المشهد العام لعقود ثم يَغيبون بالنسيان أو بانقضاء الأجل، لا يهتمون بتدوين مذكراتهم إلا في ما ندر، فتختفي معهم مصادر أساسية من شأن المؤرخ أن يحوّلها إلى تاريخ مشترك. ولذلك ينتصر دوما ما يسمى بالتاريخ “الرسمي”.

“أعتقد أنه علم مثل باقي العلوم، وبالتالي يحتاج لعلماء يملكون أدوات التشريح والتفكيك ثم إعادة التركيب. وهذه الأدوات ليست متاحة أمام الجميع حتى يفتي فيه كل من هب ودب”.

وعلى كل حال، لا تعطي هذه الموانع كلها مبررا للمؤرخ كي يخلي الساحة أمام من يريد كتابة التاريخ حسب المقاس والطلب. فعلى المؤرخ واجب علمي وأخلاقي للتصدي لهذا الورش الكبير، وقبول تحدي “إعادة” كتابة التاريخ الوطني باستقلالية وشجاعة حتى ولو جاءت النتائج قاسية ومعاكسة للشعور العام. فالطبيب الجراح قد يلجأ أحيانا إلى بتر ساق مريض إن قدّر في ذلك نجاةً للمريض من الهلاك. ولكي لا نكون أمة سائرة نحو الهلاك، أمامنا فرصة “تاريخية” للمصالحة الحقيقية مع تاريخينا، مسلحين بالثقة والعلم وأدوات التشريح اللازمة، خاصة وأن العلوم التقنية الحديثة أدخلت المكتبات إلى البيوت، وفتحت آفاقا واسعة للتغلب على الحدود الجغرافية والثقافية التي كانت في الماضي القريب تقف حائلا أمام الباحثين الجادين. فمتى تحضر الإرادة؟

وحينما نلقي هذه المسؤولية على المؤرخ، فلا يعني هذا أننا نُلزمه بالكشف عن “الحقيقة” حتى نرتاح، ونقول مع القائلين: هذا هو التاريخ الحقيقي وما سبقه كان باطلا، وإنما نُطالبه فقط بقليل من الجرأة والشجاعة حين يروم تركيب الأحداث الماضية وفق منهج علمي صارم، ويترك المتلقي ليكتشف “حقيقته” التي يترجاها. فمهمة المؤرخ، في نظري، هي أن يدلنا على الطرق المؤدية إلى الحقيقة، وليس تحديد “ماهية” الحقيقة. وهو مثل المحقق الجنائي الذي يستخدم علومه وحواسه وأدواته العلمية للكشف عن معالم الجريمة (الحدث)، ثم يأتي القاضي ليصدر حكمه وفق فهمه للقانون وتأويلاته الذاتية لنصوصه. والمؤرخ مهما أوتي من علم ومن مهارة التشريح والتعليل، يبقى انتقائيا، كما هو التاريخ انتقائي في جوهره.

 

المساء، 9 يناير 2018

Comments

comments