محمد أحداد: لن تناموا بسلام

  • 0
محمد أحداد صحيفة المساء

محمد أحداد
صحيفة المساء

لسنا بحاجة إلى سنة كاملة كي نجد التوصيف اللائق لسنة 2018.. إنها بحق سنة تطبيق القانون وجر الصحافيين إلى القضاء ومحاكمتهم بفصول القانون الجنائي مثلما يحاكم المجرمون العتاة، وبتهمة نادرة وغريبة في تاريخ الصحافة: نشر أخبار صحيحة.

وهاهو حكيم بنشماس رئيس مجلس المستشارين يتبرأ من الدعوى القضائية ويقول إنه فقط أحال شكاية رئيس لجنة تقصي الحقائق على وزير العدل، وهذا كل ما فعله، وكأن دور رئاسة المجلس ميكانيكي تقني، وإذا كان الأمر على هذا النحو، يمكن أن ننتخب أي أحد دون الحاجة إلى الانتخابات والصراع والتنافس..

طيب.. منطوق القانون الذي نحاكم به ينص بشكل صريح على أن الشكاية يرفعها رئيس المجلس وبناء على ذلك تتحرك الدعوى، وهو الأمر الذي لن يقدر بنشماس على الاجتهاد فيه ثم ما معنى أن يكون الرئيس الذي من المفترض أنه يمثل “الإرادة الشعبية” – مع الاعتذار عن التعبير- أن يقوم بإجراء يمس المؤسسة وسمعتها ويمس الديمقراطية برمتها ويمس مستشاريها أيضا..

عزيز بنعزوز رئيس لجنة تقصي الحقائق التي لم تتقص شيئا وقدمت خلاصات تشبه إلى حد بعيد جدا حكاية “دب حلزون فوق حجارة”، وفي معرض التبرير الذي لم ينشره بعد يقول إن قرار الإحالة اتخذ بالإجماع من لدن اللجنة وليس أبدا قرارا فرديا أو مقصورا على حزب سياسي.. وهذا بطبيعة الحال ذلك النوع من الكذب الذي يمكن الكشف عنه بسهولة بالغة، لأن القرار يتجاوز اللجنة ببساطة حيث أن البام كان يريد رأس ابن كيران وإظهاره أمام الشعب بأنه مسرب الأخبار وأنه هو من يخل بسرية البحث وأنه هو مصدر كل شرور الدنيا.. ذهب ابن كيران إلى منزله بحي الليمون وذهب الصحافيون إلى المحكمة وبنعزوز ما يزال يردد الأسطوانة المضحكة: القرار اتخذ بالإجماع..

“هكذا ضاع الصحافيون الذين يشتغلون في حقل شاسع من الألغام بين حسابات السياسيين التافهة والباعثة على الاشمئزاز، وهكذا يستهتر مسؤولون بمصير وصورة البلد..”

أما الزعيم إلياس العماري الذي لا يطاله تحقيق ولا يهده زلزال، فهو مع تطبيق القانون مهما كانت الظروف (كذا).. وهو يعرف جيدا إذا طبق القانون حقا من سيحاكم.. ويعرف كذلك من أحال القرار ومن لم يحل.. يقينا يعرف ذلك، ويدرك أيضا أن البام هو المسؤول الأول عن تحريك الشكاية.

وكي يكتمل بؤس المشهد فإن مصطفى الرميد الذي رفض دور ابن عرفة لكنه صار “عرفة” نفسه بعد ذلك، وقد كان لحظتها وزيرا للعدل رئيسا للنيابة العامة، فقال في سريرته: “نديرها ليهوم قد فمهوم”- ووقتها كان الصراع وصل ذروته بين الحزبين- وأحال الشكاية على النيابة العامة التي بعثت بأربعة صحافيين ومستشار برلماني إلى المحاكمة..

أما مصطفى الخلفي الناطق الرسمي باسم الحكومة، فرمى الكرة في مرمى رئيس مجلس المستشارين ورئيس لجنة تقصي الحقائق فيما بشبه “تقطير الشمع الناعم”، دون أن تكون له الجرأة أن يقول إنه من العار محاكمة الصحافيين بفصول القانون الجنائي، وهو الذي كان يقول إن الصحافيين محميون بمدونة النشر، والحقيقة أن ظهرنا عار جدا..

هكذا ضاع الصحافيون الذين يشتغلون في حقل شاسع من الألغام بين حسابات السياسيين التافهة والباعثة على الاشمئزاز، وهكذا يستهتر مسؤولون بمصير وصورة البلد.. إنهم جيش من اللباحثين عن المصالح الذين وجدوا أنفسهم بغتة يتقلدون مناصب المسؤولية في غياب المحاسبة الحقيقية.. بعضهم أوصلتهم الهواتف، وبعضهم الآخر أوصلتهم الانتخابات المعطوبة إلى الإمساك بالقرار السياسي. لكن ما لا يعرفه بنشماس وبنعزوز والرميد أنهم سيرمون في الأخير على قارعة النسيان السياسي، أما الصحافيون فيخلدون بأعمالهم وبحثهم المضني عن الحقيقة لسد ثقوب الوطن..

سُئل الروائي الشهير ساراماغو: لماذا تمارس الصحافة فأجاب: كي لا يعتقد الفاسدون أنهم سينامون بسلام، وكي أنتشي حينما أطاردهم في كوابيسهم.

Comments

comments