نجاة بقاش: كل سنة وأنت بعيد

نجاة بقاش فنانة وكاتبة

نجاة بقاش
فنانة وكاتبة

ككل نهاية سنة.. وبداية أخرى.. نتمنى أن يكون الغد أفضل، لنا ولك.. ويكون العالم أكثر إشراقا وهدوءا.. يتسع لك ولنا جميعا.. تكون فيه أنت أكثر حكمة وتبصرا.. ونكون من بين الأولويات لديك..

كنت أنتظر قدوم العيد بشغف.. كي أتمنى لك ولي “سنة سعيدة”.. مليئة بالأفراح والمسرات.. كنت آمل حقا أن تكون السنة كذلك.. رغم أنني كنت أعرف جيدا، أن مدة الصلاحية لا تتعدى يوما واحدا.. لبست أبهى ما كان لدي من ثياب.. وتزينت بأحلى الحلل كي أكون في مستوى الحدث.. بل لأكون سعيدة كالأميرات.. حتى ولو لم أكن يوما كذلك.. رقصت رقصا وفرحت فرحا.. لا لشيء إلا لأنه العيد.. ولأنك أنت فيه السعيد..

انتظرت قدوم العيد.. أربعين سنة.. أتمنى لك السعادة والهناء.. لم أكن وحدي، بل هم مثلي كثيرون.. في الأعياد نبدو صغارا حالمين.. نتوقف برهة.. تتوقف حياتنا اليومية.. نضع أقنعة الهدنة والتسامح.. كل حسب الموقع الذي يناسبه.. نتبادل التحيات والتهاني.. وفي كثير من الأحيان نكون بالقوة مرغمين.. نلعب دور السعداء.. نحاول نسيان الفوارق التي بيننا.. نحاول الهروب إكراها نحو اللا أمكنة.. ننسى فيها ما أصابنا من غدر الأزمنة.. نحاول معانقة المستحيل.. وانتشال بقايا أشياء ضاعت منا.. نحاول إعطاء معنى لوجودنا.. وإيجاد أعذار لمن حولنا.. حتى تأخذ الوجوه أشكالا.. وحتى لا يفقد المكان والزمان البريق..

أدركت مع مرور الوقت.. كم كنت بغبائي أجهلك.. وأجهل ما كان يعنيه العيد لك.. أقفلت في وجهي كل الأبواب.. جعلت حراسا بيني وبينك.. أوهمتني أن عيدي وعيدك واحد.. رغم الاختلاف، يمكن أن نكون سعداء.. ونحن مدركين كل الإدراك.. أنه من المستحيل أن يكون كذلك.. إنه إبداع مسرحي من إخراجك أنت.. تحكمها قواعد البقاء للأقوى.. تحت شعار “نل من يومك ما شئت.. فما العيد إلا يوم واحد”.. هناك فرق عظيم بين ”من كان هو العيد في عيده.. ومن كانت كعكة العيد لديه العيد”..

طقس عبور نحو ضفة السعداء.. ومناسبة لمعانقة الأحبة والأقرباء.. صكوك غفران لمجاملة الأقوياء.. لكل من أراد نيل المطالب بدون عناء.. سنوات تأتي وأخرى تمضي.. والحال على حال المدينة يبكي.. و”ثرلي” لا تقنع بما دون الكرامة بديل.. ما زلت لقصائده ولكبريائه عاشقة.. وللعيد مثله معاتبة.. ”عيد بأية حال عدت يا عيد..” “وأي عيد سعيد هذا وأنت فيه بعيد؟”.. “ما جدوى عيدك إذا لم أكن فيه؟”.. “وما جدوى عيدي إذا لم يكن في سمائي دائم؟”..

دعني أخبرك يا سيدي.. أنني أدركت الحقيقة متأخرة.. للعيد مظاهر وتمثلات تشبهنا.. ولمعنى العيد مسافات تفصل بيننا.. قررت وفكرت كثيرا.. ألا أهنئك بعد اليوم.. وأكف عن كتابة عبارات “كل سنة وأنت سعيد” في كتابك الذهبي.. لأن السعادة لدي وهم.. شيء آخر غير الذي تعرفه.. أما سعادتك أنت فهي فعلا حقيقية..

أعذرني يا سيدي، ما جدوى أن أتشبث بالعابر والمتغير.. وما جدوى أن أهنئك بالعيد  السعيد؟.. ما دام عيدك لا يشبه عيدي.. وهو يعني لك ما لا يعنيه لي.. وبرجك لا يتسع لأمثالي.. لكل منا عيده.. أرضه وسماؤه.. عيد يأتي وعيد يمضي.. دون أن يجعلك تحس بي..

اعذرني إن أعدلت عن إرسال الزهور وفاء.. وبعث رسائل الإخلاص ثناء.. بسببك اعتزلت الغناء مبكرا.. وأخذت القلم الأحمر عنه بديلا.. لن أهنئك بعد اليوم.. تقديرا وإكراما.. ففي التهنئة شيء من النفاق.. وفي النفاق شيء لا يشبهني.. لا ترغمني أن أكون أكثر فصاحة.. تحسبا أن تفهم وقاحة مني.. تهنئة العيد لمن يستحقها.. وأنت لا تستحق ذرة مني..

(يتبع).

Comments

comments