محمد أمزيان: عام الحزن

محمد أمزيان

محمد أمزيان

هذا العام الذي ولى كان قاسيا بامتياز. عام بئيس ولئيم لا يستحق أن يُذكر إلا ليُجلد. فلقد جاءنا بأحداث مؤلمة وكئيبة، وَضَعت الوطن كله على محك حقيقي، وخلّف قبل رحيله أجِنّة حمقى تُنذر بما سيكون عليه حال العام الجديد، إن لم نتدارك أمورنا بشجاعة، ونفكر بتجرد من كل أنانية في كيفية تفادي الهلاك. أيحق لنا بعد كل هذا أن نتفاءل؟

ومع أن إخوة لي في الدم والتراب اعتُقلوا وشُردوا أو دُفعوا لصمت القبور، فإنني سأضع العاطفة جانبا. لقد كان لزاما علي أن أصرخ وأعاتب وأشتم، لكنني لم أفعل ولن أفعل. سأكتفي فقط بقول ما أراه، من وجهة نظري، سببا في القسوة التي نزلت على مصيرنا المشترك كالصاعقة، مسببة جراحات غائرة في القلب والوجدان. وسأبدأ أولا بالتأكيد على شيء له علاقة بحقي في الوجود، وهو أن انتمائي لرقعة جغرافية اسمها “الريف” لا يمكن لأحد أن ينازعني فيه، لأنه قضائي وقدري وأنا راضٍ به. كما أن انتمائي لجغرافية أكبر تسمى المغرب، لا يحق لأحد أن يصادره مني. هذا لا يعني أنني أشير بأصابع الاتهام لأحدٍ ما قد يكون أخطأ، ولا أرفع شارات النصر لمن يكون قد أصاب. الأمر بالنسبة لي أعمق من كل هذا وذاك. فلنترك الحكم إذن للتاريخ.

“إذا كان العام الذي ودعناه هو عام الحزن، فإن عام التّيه ينتظرنا جميعا، إن بقينا نفكر بعقلية التيوس”

عشية اندلاع شرارة “الحراك” عقب مقتل الشاب محسن فكري بتلك الطريقة المهينة للإنسانية، جمعني نقاش مع أصدقاءٍ – لم يكونوا كلهم ريفيين – قدموا من المغرب، وخلُصنا إلى نتيجة مقلقة؛ وهي أن ما وقع في الريف سيكون له “ما بعده”. اعترتنا قشعريرة، ثم رحنا نفكر في السيناريوهات. التاريخ علمنا أن الدولة التي يُطلَق عليها مصطلح “المخزن”، دون أن يتطوع أحد من المختصين بضبط هذا المصطلح وتقريب مفهومه لأيها الناس مثلي، لن تتساهل مع أحداث الريف، وأن التاريخ سيكرر سوداويته في تلك البقعة الجغرافية العصية على الفهم. على الأقل كان هذا تقديري الشخصي للأمور. ثم تواصلت الاحتجاجات وغابت المقاربات العقلانية التي تبحث عن مخارج قبل أن تستفحل المأساة وتتعقد أكثر. من جهتي قمت بما يمليه علي ضميري، فنشرتُ مقالات – قد تكون ذاتية وانطباعية – في هذه الزاوية من  صحيفة “المساء”، حاولت فيها قدر المستطاع مخاطبة الجهتين، والتحذير من مخاطر الانزلاقات. أعترف اليوم أن صوتي كان نشازا.. ثم آثرتُ الصمت. فهل كان ذلك من الحكمة؟

كثيرا ما طُرح علي، وعلى من ينظر لأحداث الريف من نفس زاوية نظري وهم كثيرون، عتابٌ بصيغة سؤال استنكاري، أو لأقل: سؤالان استنكاريان: الأول من جهة أنصار الاحتجاجات مفاده: لماذا لم أنخرط أكثر في الحراك وأنظم إليه صراحة؟ بل هناك من المتحمسين من وضعني في خانة “العياشة”. والثاني من الجهة المقابلة مفاده: أين الريفيون العقلاء؟ وهنا لا بد من استوضاح معنى “العقل” في هذه المعادلة. هل العقل يعني الاصطفاف إلى جانب القوي في السراء والضراء؟ هل العقل هو نصرة “الأخ” ظالما كان أو مظلوما؟ أم هو شيء آخر؟  

“العقل” بالنسبة لي هو البحث عن شركاءٍ في الحل، وليس التخندق في معسكر معين. علي الاعتراف الآن  بأنني قصّرت كثيرا في البحث عن الشركاء، رغم محاولات خجولة ضلت طريقها وسط غابة من سوء الفهم. فكان البعد والانزواء، مع شعورٍ طاغٍ بالمرارة والإحباط، هو الملاذ. إذا كان العام الذي ودعناه هو عام الحزن، فإن عام التّيه ينتظرنا جميعا، إن بقينا نفكر بعقلية التيوس.

كل عام وأنتم بألف خير، والحمد لله على كل حال.

* المساء، عدد نهاية الأسبوع (السبت – الأحد) 30 -31 ديسمبر 2017

Comments

comments