محمد أمزيان: “ولاد سبانيول”

محمد أمزيان

محمد أمزيان

هذه العبارة ليست جديدة الاستخدام في القاموس القدحي المغربي، فهي كثيرا ما تتردد على لسان من يرمي إلى التشكيك في “نقاوة” أصل الريفيين والطعن في شرف انتمائهم لباقي المغرب، على اعتبار أن هذا “الباقي” هو المغرب النقي، وبالتالي لا يستحق الريفيون شرف هذا الانتماء، لكون أصلابهم ملوثة.

ولا يقتصر استخدام هذا الوصف الحاط من الشرف على أفراد لا وزن لهم في الميدان العام، أو أن ظروف الاستخدام مرتبطة بالمزاج اليومي للكائن الفرد، وإنما يأتي في سياق التدافع وعلى لسان أشخاص يمثلون مؤسسات في الدولة، وخاصة المؤسسة الأمنية المكلفة بحماية أمن جميع المواطنين المغاربة. في كثير من التسريبات عن أجواء التحقيقات الأولية بخصوص شباب “الحراك”، ومن خلال شهاداتٍ لأشخاص تعرضوا لهذه الشتيمة وسمعوها مباشرة من رجال أمن أثناء المطاردات في الشوارع أو المداهمات الليلية للمنازل، تتردد هذه الإهانة وكأنها سلاح موجَّه ومدروس. وهذا ما يستدعي التساؤل عمّا إذا كانت المؤسسة التي يمثلها هؤلاء على علم بهذا السلوك المرفوض أخلاقيا وإنسانيا؟

“حينما تطعن إنسانا في كرامته وشرفه، فإنك تصنع منه عدوك الأبدي”.

حسب علمي، فإن وصف “ولاد سبانيول” لا يُنعَت به إلا الريفيون، بحيث لا يُطلق على الصحراويين مثلا، والذين خضعوا هم  بدورهم للاستعمار الإسباني، مما يدل على أن نية الشتم للنيل من عِرض الريفيين ليست سلوكا طارئا ومعزولا. وهي كذلك ليست شتيمة بعيدة عن آداب التعايش فحسب، بل تُعد نوعا من أنواع الميز العنصري الذي تمنعه كل التشريعات والمواثيق الدولية. وحتى لو افترضنا جدلا أن الريفيين هم أولاد الإسبان فعلا، فأين الخلل في ذلك؟ هل الإسبان جنس أدنى من بقية الأجناس؟ أليست هذه قمة العنصرية؟

الغرض الآخر الخفي وراء تخصيص الريفيين وحدهم بهذا النعت، هو النّيْل من قدْر الريفيات بالإحالة إلى وقائع الاغتصاب زمنَ الحماية الإسبانية. فالريفيات إذن هن المقصودات. وما يؤلم أكثر أن الريفيين يُهددون اليوم بالاغتصاب ولا من يحرك ساكنا.

“قلة الأدب” هذه تزيد من تعقيد واقع العلاقة بين الريف والمركز، وهو واقع معقد ومتشنج أصلا. أما الإسبان الذين زجت بهم سياسات حكوماتهم في الريف، فلم يُتح لهم الوقت للتفكير في ترك خَلَف لهم هناك، سواء بالأصلاب أو بالتبعية. ذلك أن الريفيين لم يوفروا لهم راحة بيولوجية للتوالد والتكاثر، بل قاوموهم ونغّصوا عليهم حياتهم حتى رجعوا من حيث أتوا غير مأسوف على رحيلهم.  

لا شك أن الرسميين في الدولة المغربية على علم بتعرض مواطنين ريفيين لهذا التعامل الذي تفوح منه رائحة العنصرية، فضلا عن التهديد المستمر بالاغتصاب؛ ذلك أن محامين أكدوه حسبما أوردته منابر إعلامية، كما اشتكى منه مواطنون ريفيون مرارا. فماذا فعلت الدولة؟ ولماذا يعاقب الريفيون إذن على ردات فعلهم حينما يُشتمون ويُهانون ويُهددون؟

من التهم التي على أساسها يُحاكم معتقلو الحراك اليوم، أن اعتداءهم على أفرادٍ من القوات الأمنية العمومية هو اعتداء على الدولة وعلى المؤسسة التي يمثلونها. وفي المقابل، هل استخدام أفراد من القوات الأمنية لذلك الوصف الممقوت تجاه مواطنين ريفيين يمكن فهمه على أن الدولة هي من تمارس ميزا عنصريا تجاه جزء من مواطنيها؟ الإهانة تقابلها إهانة. فإذا كانت إهانة مواطن لعنصر أمني يعد إهانة للدولة، فالمنطق يقتضي القول: إن إهانة عنصر أمني لمواطن يعد إهانة الدولة لذلك المواطن. فهل هذه هي المواطنة؟

لا أقصد من هذا الكلام صب مزيد من الزيت على النار الموقدة. ما أعنيه وبصدق، هو أن الأخطاء الصغيرة قد تقود إلى نتائج كبيرة. حينما تطعن إنسانا في كرامته وشرفه، فإنك تصنع منه عدوك الأبدي.

 

* نشر في المساء عدد الثلاثاء 26 ديسمبر 2017

Comments

comments