سعيد دلوح: صفحات من تاريخ الحراك.. صرخة شهيد – 9

سعيد دلوح - مدون من الريف

سعيد دلوح – مدون من الريف

كانت وقفتهم الرجولة يوم الأحد، الخامس والعشرين، أثناء الهجوم الوحشي لقطعان الشمكرة، ضد نشطاء الحراك، خير دليل على ما ذهبنا إليه من الشهادة التى سجلنها فى حق أهلنا فى الناظور وقبائل القليعة.. لقد تصدوا بشجاعة لهذه الوحوش.. هذه القوالب الآدمية، التى أفرغت من كل شعور وإحساس بالذات، وعلفت من أجل هذه المهات القذرة… لكن وعي أبناء الناظور.. قطع الطريق على الخونة والمتربصين بالحراك.. لإحداث فتنة حقيقية بين الشباب الذين نزلوا من الحسيمة، وإخوانهم فى الناظور.. هؤلاء الشباب يدركون جيدا هذه الأساليب التخريبية التي تخترق المجتماعات، وتدق الإسفين في نسيجه الاجتماعي، كما حدث في مطلع القرن العشرين، والذى عانى الريف ويلات الاقتتال الأهلي والاحتراب الداخلي. 

البعض يتحدث عن الاختلاف والتباين بين الشخصيتين في قبائل الريف الأوسط، وقبائل القليعة الريفية.. طبيعي أن يحصل هذا الاختلاف.. وهذا نتيجة لعوامل عديدة.. فالأرض والبيئة تلعبان دوراً  حاسما فى تشكيل الشخصية الفردية والجماعية.. فقبائل القليعة التى تقع على تخوم مدينة مليلية.. والتى تتصل أيضا بقبائل بني يزناسن وجودة عبر سهل مفتوح “بوعاك”.. هى مجبرة أن تتعامل مع هذا المحيط، أن تتأثر وتؤثر.. وتتعلم لغة  هذه المجتمعات القريبة.. وخاصة أن معظم أبناء هذه القبائل يمارسون التجارة.. وبالتالي الضرورة  والمصلحة تفرضان عليهم أن يتعلموا هذه اللغات.. وكل اللغات الأخرى.. من أجل توسيع السوق، وإيجاد زبناء من كل المناطق.. ولهذا نجد أبناء الناظور يتحدثون الإسبانية بطلاقة، ويتحدثون أيضا الدارجة.. لأنهم يتعاملون مع الإسبان لجلب السلع والزبناء القادمون من مدن الداخل للتسوق.. عكس قبائل الريف الأوسط التى عاشت طيلة العقود المنصرمة فى مجتمعات مغلقة، محاطة بجبال شامخة، تصد التأثيرات الخارجية.. وحتى العلاقة بين هذه القبائل كانت في الأغلب الأعم متوترة.. انكفأت على نفسها.. والمدينة الصغيرة ظلت محاصرة، فى شبه الجزيرة، بضهير شريف من الخمسينات.. استقدم اليها القواعد العسكرية. فى البحر والبر، وحتى في الأحياء بين السكان المدنيين.. ولم يستقدم إليها مشاريع التنمية لتتوسع وتتمدد على المحيط.. وهذه العوامل طبعا لها تأثير في شخصية أبناء هذه القبائل التي بقيت تحفظ وصايا أجدادها، ومازالت أماكن ومواقع المعارك والملاحم تروي قصص هؤلاء الأبطال.. من لسان إلى لسان، وكذلك الحصار والظلم الذى طال هذه القبائل، ودفع معظم أبنائها إلى الهجرة بحثا عن أسباب الزرق وراء البحر. كل هذا عمق الإحساس بالمظلومية أكثر، وشكل شخصية ثائرة بالفطرة..

لكن رغم هذا التباين والاختلاف الذى هو بالتاكيد عامل غني.. فإن هناك مشتركات وروابط كثيرة بين هذه القبائل.. اللغة والدين والتاريخ المشترك.. هذه الروابط التى شكلت عرى التواصل والانسجام عبر التاريخ.. فقبائل القليعة كانت السباقة إلى مقاومة الاحتلال الإسباني، بقيادة الشهيد الشريف محمد أمزيان، وحققت انتصارات ماحقة على جيش إسبانيا ومنعوه من التقدم غرب نهر كرت، وكان لمقاتلي قبائل الريف الأوسط، تمسمان، آيت توزين، إبقوين، آيت ورياغل.. الدور البارز فى هذه الانتصارات.. فهؤلاء الرجال المقاتلون، كانوا القوة الضاربة للشهيد أمزيان.. وأبلوا بلاءا حسنا فى هذه المعارك… ولهذا بقيت تضحيات هؤلاء الأبطال حاضرة بقوة فى أذهان إخواننا في القلعية، ومازالوا يتحدثون عن تلك القصص بكثير من الفخر والاعتزاز..

(يتبع)

Comments

comments