إبراهيم بوحولين: في حضرة مالك بن نبي – 8

إبراهيم بوحولين باحث في قضايا الإسلام

إبراهيم بوحولين
باحث في قضايا الإسلام

لبَّيك حج الفقراء

إن المنهج الذي قررنا أن نعرض من خلاله حياة وفكر فيلسوف الحضارة الأستاذ مالك بن نبي كما أشرنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة هو تتبع كتاباته حسب زمن التأليف، ولما كان كتاب الظاهرة القرآنية باكورة أعماله فقد قدمنا به هذا العرض، ثم بعدها استأنف فيلسوفنا مسيرة تأليفه التي لم تتوقف قبل التحاقه بالرفيق الأعلى، حيث ألف سنة 1947 رواية فلسفية سماها ” لبيك حج الفقراء”، وهي الكتاب الثاني بعد الظاهرة القرآنية، والرواية الوحيدة التي خطتها يداه، سعى من خلالها إلى إبراز جانب من جوانب الحياة الروحية للمجتمع المنتمي إلى عالم طنجة جاكرتا. فرغم أن أحداث القصة تدور في الجزائر وفي مدينة عنابة (بونة )، فإن تلك الأجواء التي رسمها فيها تنطبق على كل مدينة في الجزائر وكل الدّول المستعمَرة، أحداث ترسم السحق اليومي الذي عانت منها الدول المستعمَرة في العالم الأفريقوآسيوي، المجال الجغرافي الذي نذر مالك بن نبي حياته لتشخيص المرض الذي أصابه منذ زمن الموحّدين. لكن قبل الحديث عن دلالات القصة والرسائل التي نستشفها منها أحببت أن أضع القارئ الكريم الذي لم يقرأ رواية ” لبيك حج الفقراء” في الصورة عبر عرض موجز لملخص القصة كما رسمها ابن نبي، فإليك أهم أحداثها:

إبراهيم شاب طلّق زوجته بعد فراق والديه الملتحقَين بالرفيق الأعلى، ليحتضنه الشارع وأصدقاء السوء، حتى أصبح متسكعا معروفا في الحي، متى رآه الصبيان أشاروا جهته وعلا صوتهم، يا صاحب قنينة الخمر (يابوقريعة). عاش على هذا الحال زمنا لم يأبه لحاله أحد سوى العم محمد الذي كانت صلته بوالد إبراهيم جيدة، فقد أحس العم وزوجته بالذنب لفرطهم في وصية والد ابراهيم. لم يكن ابراهيم راضيا ولا سعيدا من وضعه الذي آل به أن يكون حديثا بين الناس من فرط تسكاعته الليلية ومعاملته لجيرانه التي ساءت.

 “المجتمعات الإسلامية تُربة خاصة سُقيت بكتاب الله وسنة رسوله على امتداد ثلاثة عشر قرنا، لن تصلح أبدا لزرع كل نبتة دخيلة”.

قرر إبراهيم ذات صباح باكر أن يترك كل شيء ويستجيب لنداء الفطرة ويرجع إلى الحق سبحانه، ليقرر بعد ذلك الذهاب إلى الحج ليغسل ذنوبه، وقد استطاع بفضل الله ومساعدة العم محمد أن يعد الوثائق الإدارية اللازمة في نصف يوم، ليجد نفسه مودّعا للعم وللمدينة مسافرا إلى بيت الله الحرام، وفي الباخرة التقى بهادي، الفتى الصغير الذي عاش على القمامة والحرمان في شوارع بنونة والذي كان يصادفه ابراهيم آخر الليل، ليتفاجأ هادي من الحاج ابراهيم بالقدر الذي تفاجأ ابراهيم، ثم يقرر هادي أن يكون تلميذا للحاج إبراهيم يتعلم منه الوضوء وكيفية الصلاة وشعائر الحج طيلة الأيام التي قضتها الباخرة من الجزائر إلى جدّة. وفي الباخرة أحداث وتفاصيل حدثت لإبراهيم وهادي مع الرُّبان والحجاج من الدول الأخرى، ليتفاجأ في آخر القصة العم محمد برسالة بعثها إبراهيم للعم محمد يشكره فيها ويعتذر منهم على معاملته التي ساءت معهما ومع زوجته التي أحسنت إليه رغم خروجه عن جادة الطريق، حيث لم تتزوج قط حفظا لشرفه وشرف عائلته وإكراما للعم محمد… فقد قرر أن يعيش في المدينة المنورة ويقضي ما تبقى من حياته بين أسوار الحرم يستغفر الله ويكثر من الصلاة علّ الله يتجاوز عنه.

في رسالة مالك بن نبي إلى الناشر عقب انتهائه من كتابة قصة لبيك، أوضح له أن القصة كانت بين سفرين، ولذلك كُتبت على عجل، إن مالك بن نبي سطر هذه القصة بين كتابين هما من جوامع مشروعه الفكري الكبير، كتاب الظاهرة القرآنية الذي أبرز فيه دور القرآن “الروح” في الإقلاع الحضاري، و“شروط النهضة”  الذي بين فيه أركان الحضارة وكيفية تركيبها (التراب الزمن الإنسان). إن قصة “لبيك” استراحة تستشف دور مرحلة الروح في بناء وصناعة النموذج الحضاري الذاتي غير المستند إلى الاستيراد أو التقابل بين الشرق والغرب، ذلك أن مرحلة الروح هي الحقبة الأولى التي تنشأ وتترعرع فيها الحضارة كما بين ابن نبي في مجمل أعماله، فلا غروَ إذن أن يستريح فيلسوفنا ويريح معه القارئ لمشروعه كاملا في هذه الرواية المبرزة لعمق ارتباط الإنسان المسلم بقِبْلته، وشوقه غير المحدود إلى الحرم ، البلد الذي انطلقت منه الحضارة الإسلامية. فهي (الرواية) إذن الرابط بين الظاهرة القرآنية وباقي مشروعه الموصول بهذا السفر، والرواية هذه هي الوحيدة التي كتبها ابن نبي،على أن الأسلوب الروائي والتعبير الأدبي كانا حاضرين دائما في مجمل كتاباته.

ثم إن في الرواية تأكيدا لتوفر ما اعتبره ابن نبي المواد الخام لتشكل الحضارة في المجتمعات الإسلامية، فلم تستطع قرون الاضمحلال وموجات الاستعمار أن تمحي أثرها التي تأصلت في نفوس المسلمين من زمن غار حراء، وأهمها الفكرة الدينية التي جعلها ابن نبي الرابط بين أركان الحضارة الثلاثة، والباعثة لحركتها وفاعليتها، وحضور القيم الفضلى المتجذرة رغم كل الويلات التي عاشتها الأمة الإسلامية ولا تزال تعيشها. إن البساطة المستولية على الأشخاص التي دارت بينهم أحداث الرواية تشي بأننا لسنا مبتعدين عن التحضر إذا ما وعينا موقعنا من التاريخ ومن العالم والوجود، وأدركنا مستوانا التاريخي ضمن ما أسماه ابن بني “الدورة الحضارية”، وهذا الأمر نفسه هو ما سعى ابن نبي إلى تحقيقه من خلال رسالته التي أرسلها إلى الناشر، إنه أراد “أن يمسّ جزءا مهما من القيم والعادات الجزائرية التي لا تبعد كثيرا عن القيم الإسلامية”.

رأينا مع كتاب الظاهرة القرآنية أن الباعث الرئيس لكتابة هذا السفر الهام جدا هو بيان تهافت المستشرقين وتلامذتهم في قراءتهم للتراث عموما ووتشكيكهم في نسبة القرآن الكريم إلى الله تعالى خصوصا، وفي ذات السياق نفهم لماذا أظهر ابن نبي في رواية “لبيك” بساطة الشخصيات الرئيسة في تعاملها مع الواقع وتجذر الدين الإسلامي في المجتمعات المسلمة واحتراهم الذي لا يكاد ينتهي للشعائر الدينية حتى وهم يرتكبون الخطايا ويفعلون الموبقات. إنها رسالة واضحة من فيلسوفنا مفادها أن المجتمعات الإسلامية تُربة خاصة سُقيت بكتاب الله وسنة رسوله على امتداد ثلاثة عشر قرنا، لن تصلح أبدا لزرع كل نبتة دخيلة. إن الدين أضحى جزءا من تكوين الإنسان المسلم النفسي والاجتماعي والوجودي والتاريخي، إنها ظاهرة أنثروبولوجية لن يتم مسحها بزرع الشكوك باسم رؤية من الرؤى أو فلسفة من الفلسفات .

(يتبع)

Comments

comments