محمد أمزيان: يا بني.. ماضيك من صنع حاضرك

محمد أمزيان

محمد أمزيان

يا بني، ليس في يدي غصن زيتون ولا بندقية. لستُ صانع سلام ولا تاجر آلام. في حقيبتي رزمة أحلام طفولية تشهد على مدى سذاجتي. لا أريد منك أن تفتخر بي أو تتفاخر بين أقرانك بإنجازاتي التي لا وجود لها إلا في مخيلتي. لم أفعل شيئا ذا قيمة. كل ما قمت به طيلة وجودي في هذه الحياة، أنني شيدت أبراجا من أوهام في صحراء جدباء. وفوق كل هذا، جبُنتُ. لم أخض ولو معركة مجدية واحدة. عشت رخوا كالزبد الذي يذهب جفاء.  تلك الصلابة التي كنت أبديها وأنا أعبّر عن مواقفي ومبادئي، كانت مجرد عنتريات جوفاء.

يا بني، الحياة مدرسة لم أتلمس معالمها على حقيقتها. مضى الآن من عمري ما مضى وليس لدي وقت لأتدارك ما مضى. هل ندمت؟ لا أدري. مأساتي الشخصية أنني لم أعد أستوعب أي شيء من حولي، أنا الذي كنت أخال نفسي من النجباء. صحيح أنني دخلت مدرسة نظامية، وتعلمت فيها حروف الجر والنصب والشد والهجاء، لكنني لم أطبق ما تعلمته في الحياة كي أفهم مسالكها الملتوية كالحِرْباء.  

يا بني، ها أنا أرى أَمَارات العجب على محياك وتكاد تنطق بشيء أتهجَّاه على شفتيك. قله ولا تتردد. نعم، أنا غبي وساذج وعديم النباهة. لا تسلك نفس الطريق الذي سلكته، فليس في تعاريجه سوى غبار تاريخ لا مجد فيه. تاريخ انتفخ بطنه بالخرافات والسخافات والأساطير. لا تاريخ لك يا بني ولا أرض أجداد. ابحث لك عن أرض وتاريخ يليقان بك.

“سأستمر في الحياة لأتذوق طعم خيباتي. أن أرى المشانق وهي تتدلى على الطرقات مثل عناقيد الردى. أن أرى المدامع ترقص في المراسح وهي تجسد المشهد الأخير من ملهاة وطن يتبخر في داخلي.”

يا بني، إياك أن تكون نسخة مني أو صورة تشبهني. كن أنت وشق طريقك بأظافرك. الحياة مهما بدت قابلة للحياة كما هي، فهي ملتوية مثل جملة اعتراضية في نص فاشل وممل. تاريخي أنا؟ أساطير يا بني. لا تصدق كل ما يشاع عني ولا تفتح أي صفحة من ذلك الكتاب الذي كنت أخط فيه ما كنت أعتقده زادا لك في حياتك. احرقه واستمتع بمنظر الدخان وهو يتلاشى في سماء بلا نجوم. أنت نجمي الوحيد اليوم وأملي الباقي في هذا الوجود، فلا تنطفئ كما انطفأت أنا. نعم تراني أمامك وتكلمني وتضاحكني أحيانا، لكن تأكد أن لا معنى لوجودي إطلاقا. وجودي في هذه الحياة كان خطأ، فلا تجعل من وجودك أنت أيضا خطأ. لا تنظر إلى الأشياء كما نظرت إليها أنا حتى صرتُ ما صرتُه الآن. حتى تلك الأحلام الطفولية التي تركتها لك في حقيبة سفري العبثي، لا حاجة لك إليها. تخلص منها واصنع أحلامك الخاصة بك. لا تكن طوباويا مثلي، لا تكن مثاليا مثلي، لا تكن مثلي أنا.

يا بني، آه لو تعلم كم كان وزر تلك الأحلام الساذجة ثقيلا عليّ. لم أحمل أحلامي فحسب.. بل حملت حتى أحلام من لم يُرد أن يحلم، واعتقدت أنني سأغير العالم، سأجعل الشمس تقف في سمت السماء لتحييني. أليست هذه قمة السذاجة؟ أحلامي  أضحت كوابيس استوطنت صدري، فحولته إلى سجن كبير.

يا بني، لا تخف.. فأنا لا أنوي فراقك بهذه الكلمات البلهاء. سأستمر في الحياة لأتذوق طعم خيباتي. أن أرى المشانق وهي تتدلى على الطرقات مثل عناقيد الردى. أن أرى المدامع ترقص في المراسح وهي تجسد المشهد الأخير من ملهاة وطن يتبخر في داخلي. أن أراك أنت طائرا محلقا في السماء، حرا طليقا من كل كوابيسي وجبني وسذاجتي. أن أراك وقد أصبح لك شأن آخر. أن أراك وقد أصبحت إنسانا. خيباتي يا بني تعادل تلك الجبال التي أريتك إياها ذات يوم وأنت تبحث عن ماضيك قبل أن تكتشف، بنباهتك، أن ماضيك من صنع حاضرك. ماضيك في يدك.. فحصنه من كل الزيوف.

اعلم يا بني أنني أحببتك حينما اكتشفتَ ما اكتشفتَه.. وليتني كنت بنباهتك.

*نشر في المساء الورقية بتاريخ 14 نوفمبر 2017

Comments

comments