إبراهيم بوحولين: في حضرة مالك بن نبي – 7

إبراهيم بوحولين باحث في قضايا الإسلام

إبراهيم بوحولين
باحث في قضايا الإسلام

لا يسع أي قارئ للقرآن الكريم أن ينكر التقارب الذي يضعه ضمن موقعه من الدورة التوحيدية مع الكتاب المقدس بعهدَيه، يؤكد ابن نبي هذا الأمر ثم يشير إلى أن للقرآن الكريم خصوصية تكمن في تصحيحه لمعلومات الكتاب المقدس في مجالات شتى منها:

ما وراء الطبيعة: فقد قدّم القرآن الكريم فكرة التوحيد بطريقة لا تناقض قوانين العقل وبدهياته، خلافا للفردانية “البراكماتية” اليهودية القائمة على وراثة الدين عن طريق النّسل والعرق، والتثليث المسيحي الواضح تناقضه لنظام الكون والإنسان.

الأخرويات: الأمر نفسُه يقال عن تقديم مبحث الماورائيات المتعلق بالخلود والجنة والنار وما إلى ذلك. ففي الوقت الذي نجد العهد القديم قليل التعرض لتفاصيل القيامة لانصارفه إلى الحديث المفصل عن نشأة الكون وتطوره الذي أُرفد له سفر خاص هو “سفر التكوين”، نجد الإنجيل قد أكثر قليلا في عرض ذات المبحث، لكنه دون القرآن الكريم بكثير، ذلك أن هذا الأخير قد قدم لوحة مفصلة عن العالم الآخر على امتداد زمن النزول كله، مع الإشارة إلى تميز القرآن المكي في الإكثار من عرض أحداث القيامة لأسباب متعلقة ببناء العقيدة والأخلاق….

الكونيات: قدّم القرآن تفسيرا مفهوما لا يعارض العقل كما فهم الطبيعيون الذين قالوا باستحالة الخلق من عدم، لأن العقل المادي لا يقبله، والواقع أنهم ما جرّبوه ليحكموا بمثل هذا الحُكم. إن القرآن الكريم الذي ربط أمر التكوين ب”كن فيكون” مفسّر إذا ما اعتبرنا تماشيا مع القول القائل باستحالة المادة طاقة أن كلمة الله تتحول بعد الأمر”كن” طاقة فيتم بها فعل الإنشاء، وهذا المبحث نقاشُه قديم في الثقافة الإسلامية قدَم الفرق والملل والنحل. وقد كتب أبو حامد الغزالي مؤلفات جريئة فيها ردَّ كل الشبهات المتعلقة بأمر الخلق والتكوين التي أحياها الديكارتيون في القرن التاسع عشر والعشرين الميلاديين، فلتُراجع في مظانها.

الأخلاقيات: يفرق ابن نبي في هذا المفهوم بين الأخلاق “الدينية” القائمة على الجمع بين منفعة الشخص ومنفعة الآخرين، والأخلاق اللادينية “الدنيوية” القائمة على المنفعة الشخصية العاجلة، ثم يبين تميز القرآن على الكتاب المقدس في التأصيل للأخلاق، ذلك أن الأخلاق في الكتاب المقدس قائمة على النهي عن فعل الشر دون الأمر بمقاومته، ثم إن العقاب فيه أخروي فقط، بينما القرآن الكريم جمع في التأسيس للأخلاق بين النهي عن فعل الشر والأمر بمقاومته: “كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهونَ عن المنكر”[1]، والعقاب فيه أخروي ودنيوي، حيث جعل الالتزام الأخلاقي أحد أكبر دوافع قيام الحضارات في التاريخ الإنساني: “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين”[2].

الاجتماع: يظهر تميز القرآن الكريم على الكتاب المقدس في قضايا الاجتماع في تجاوب نصّه مع الإنسانية كلها، ذلك أن الخطاب القرآني في وضعه للقوانين الأخلاقية لا يميز بين المؤمن به وغير المؤمن، من خطاب التكريم الآدمي إلى الزجر المادي والأخلاقي المترتب على الفعل الغير الأخلاقي: ” من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا “[3]، فكان من نتائج هذا الخطاب غير المنحاز أن عرف الرقُّ لأول مرة في تاريخ البشرية طريقه إلى الاضمحلال، وهو الأمر الغائب في شريعة موسى وعيسى التي كانت موجهة لأفراد معيّنين وجهات بذاتها.

انتقل فيلسوفنا ابن نبي بعد بيان بعض تجليات الخصوصية القرآنية وتميزه على الكتاب المقدس في منهج عرض قضاياه عبر مستويات شتى كما أسلفنا، إلى عرض نموذج تطبيقي اختار له قصة يوسف عليه السلام كما وردت في القرآن الكريم مقارنا إياها بما جاء عنها في الكتاب المقدّس بعهديه. أخذت الدراسة حيزا من من كتاب “الظاهرة القرآنية” يربو عن أربعين صفحة،( من الصفحة 211 إلى 252)  خلص منها إلى نتائج أهمها:

أن الرواية القرآنية تكشف لنا يعقوب النبي أكثر من يعقوب الأب، لما تحمل كلماته التي حكاها القرآن من معاني روحية عميقة، “نموذج تعقيبه على اختفاء يوسف، وفي دفعه بنيه أن يتحسسوا من يوسف وأخيه”، بينما تكشف الرواية الكتابية عن أخطاء تاريخية تسرّب الوَضع إلى الكتاب المقدّس. فقد جاء في الفصل الثالث والأربعين من سفر التكوين (الجملة 23) “لأن المصريين لا يجوز لهم أن يأكلوا مع العبرانيين لأنه رجس عند المصريين”، والفقرة هذه جاءت في سياق الحديث عن قصة يوسف، ومعروف تاريخيا أن محنة بني إسرائيل في مصر إنما حصلت بعد يوسف عليه السلام، ثم أثبت ابن نبي أن هناك تشابها غير قليل بين القصة القرآنية والكتابية، تشابها جعل المشكّكين الذين من أجل الرّد على منهجهم ألف فيلسوفنا هذا السفر “الظاهرة القرآنية” يشككون في انتحال القصص القرآني من الكتاب المقدّس، وهو الأمر الذي لم يجد ابن نبي صعوبة في نقضه، وذلك بالاستشهاد بمثل قوله تعالى “تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين”[4]. فلو كان التأثير اليهودي موجودا في المجتمع القرشي لتصدى لهذا الادعاء، أما المتن المسيحي فقد أكّدت دراسات قام بها الآباء اليسوعيون في مستهل القرن العشرين أن “أول نصّ مسيحي تُرجم إلى العربية كان عام 1060 ميلادية”[5].

هكذا كشف ابن نبي اللثام عن المنهج الديكارتي القائم على التشكيك مبينا عجز المحاولات التي نشرها روادُه عن التشكيك في ربانية مصدر القرآن الكريم، ليُنهي دراسته الجادّة “الظاهرة القرآنية” ببيان “مواقف قرآنية تنفي عنه التّدخّل البشري” ممثَّلة في: إرهاص القرآن، ما لا مجال للعقل فيه، فواتح السور، المناقضات، الموافقات، المجاز القرآني، ثم القيمة الاجتماعية لأفكار القرآن الكريم.

هكذا أنهى ابن نبي الفصول العشرة لهذه الدراسة التي يلاحظ القارئ الحصيف توغل فيلسوفنا الذي أظهر تمكنا واطلاعا واسعا على الثقافة الغربية ومدارسها، في بيان الانفصال بين الذات المحمدية المتلقية للوحي ونص الوحي الذي هو القرآن الكريم، متوسلا بأدلة يصعب رفضها بعد عرضها على المنطق والعقل السليم. وقد أضفى تقديم الأستاذ محمود محمد شاكر، كما أشرنا قبل، رونقا خاصا على الدراسة، ولأن الكتاب مجهود بشري فقد لاحظ شاكر ملاحظات عليه لا تُنقص من شأنه وقيمته، منها أن بعض فصول الكتاب توهم القارئ أن ابن نبي ألّف الكتاب لبيان أوجه الإعجاز القرآني، بيد أنه قد ألفه لإثبات صحة دليل النبوة وصدق دليل الوحي، فهذا موضوعه التوحيد والإعجاز مندرج ضمن علوم القرآن.

بهذه الحلقة نكون قد انهينا مدارسة الكتاب الأول لفيلسوف الحضارة مالك بن نبي، على أن نستأنف في الحلقات الآتية عرض ومناقشة الكتاب الثاني الذي ألفه بعد الظاهرة القرآنية وهي رسالته “لبيك” ثم شروط النهضة … والله من وراء القصد.

(يتبع)

_ سورة آل عمران الآية 110. [1]

[2] _  سورة النمل الآية 69

_ سورة المائدة، الآية 31. [3]

_ سورة هود الآية 49.[4]

[5] _ عمر كامل مسقاوي، في صُحبة مالك بن نبي: مسار نحو البناء الجديد، مطبعة دار الفكر، دمشق ،  ج1/ ص 385 .

Comments

comments