سعيد دلوح: صفحات من تاريخ الحراك.. صرخة شهيد – 8

سعيد دلوح - مدون من الريف

سعيد دلوح – مدون من الريف

بعد أحداث الناظور..

الكثير من أبناء قبائل الريف الأوسط، ينتقدون أبناء قلعية ويصفونهم بأوصاف مثل الغدر والخيانة.. أو أنهم انسلخوا سريعا على هويتهم وثقافتهم.. ويحبون أن يتحدثوا بالدارجة.. إلى غيرها من ملاحظات عادة ما تطرح فى أي موضوع  نقاش يهم إخواننا القلعية..

لكن لم أكن يوما لأوافقهم هذا الرأي.. بل كنت أعارضه بشدة، وأقدم الدليل والحجة على بطلان وتهافت هذا الرأي الذي لايستقيم مع الوقائع التاريخية، والشواهد الواقعية.. وهو لايعدو أن يكون ردات فعل على حالات معزولة اصطدم بها هذا الشخص أو ذاك.. تعرض للغدر.. أو السرقة خلال زيارته إلى الناظور.. فإذا كانوا يتحدثون عن الغدر والخيانة.. أو الانسلاخ عن الهوية، فهذه الصفات لا تخلو منها منطقة دون أخرى.. وخصوصا عندنا نحن في الريف الأوسط.. هنا عائلات بكاملها سليلة الخيانة والعمالة.. والأخرى تنخرها الدونية.. تفضل أن تعلم أبناءها التخاطب بالدارجة بدل الريفية..

لماذا إذن انبريت للدفاع عن إخواننا القلعية ياترى!!؟

أولا لأنني عشت مدة بين ظهراني القلعية، ومارست التجارة معهم، توطدت علاقتي بهم، ووقفت عن قرب على أفكارهم، وأيضا مشاعرهم الحقيقية.. وخصوصا تجاهنا نحن أبناء قبائل الريف الأوسط.. فهم يتحدثون عن الحسيمة بكثير من الحب والاعتزاز.. فهذه المدينة لها مكانة كبيرة فى وجدان القلعية.. دائما يخططون متى يزورونها.. وبالفعل يحجون إليها فى أيام نهاية الأسبوع، وفي أيام العطل، يفظلون قضاءها فى الحسيمة.. من أي مكان آخر..

لكن جاءت أحداث الزلزال المؤلمة سنة 2004.. فكشفت عن المعدن الحقيقي لإخواننا القلعية.. تلك الوقفة الشجاعة الإنسانية.. لا ينكرها إلا جاحد ناكر للجميل.. هم الأوائل الذين وصلوا إلى المدينة، وإلى القرى النائية.. مجرد سماعهم الخبر المفجع.. حملوا المؤن الغذائية، والأغطية، وتوجهوا بسياراتهم الخاصة والشاحنات إلينا، نحن ضحايا الزلزال، والذين فقدنا الأحبة.. لم أنس تلك الأيام العصيبة.. فى تلك الليلة الرهيبة التى فقدنا فيها أكثر من ألف عزيز وعزيزة.. لم نجد إلا أهلنا فى الناظور.. لم أنس تلك الدموع الحارة، وهم يعانقوننا بحرارة، كأن المصيبة حلت بهم.. تلك المواقف العظيمة، لا تصدر إلا من شعب أصيل، وليس شعب مستعار..

كنت أود الحديث عن ملحمة أربعينية الشهيد.. لكنني أجلتها إلى وقت آخر لأن هذه الأحداث ضاعظة، يجب أن نخصص لها حيزا من الاهتمام.. أو كل الاهتمام والمتابعة.. إن استهداف النشطاء فى الناظور من قبل قطعان “الشمكرة”.. وأصحاب السوابق.. ومروجي المدخرات.. يبدو أن الحراك دخل منعطفا خطيرا.. ربما القادم من الأيام سيحمل تطورات خطيرة.. وربما إحياء التناقضات القبلية والعائلية.. التى اكتوى الريف سابقا  بنارها.. بعدما فشلت التناقضات الإيدلوجية في فرملة هذا الحراك..

(يتبع)