إبراهيم بوحولين: في حضرة مالك بن نبي -6

إبراهيم بوحولين باحث في قضايا الإسلام

إبراهيم بوحولين
باحث في قضايا الإسلام

بعد شرح الفواصل الطبيعية بين الذات المحمدية وبين الوحي ودراسته للعوارض النفسية التي تكتنف شخص النبي عليه السلام حين يتلقى “القول الثقيل”، استأنف فيلسوفنا في بيان خصائص الوحي الظاهرية، والتي أجملها في خاصيتين:

 التنجيم: ويقصد به تنزل القرآن على حسب الوقائع والأحداث على امتداد ثلاث وعشرين سنة وثلاثة أشهر، في الزمن المكي الذي أخذ ثلاث عشرة سنة من مجموع المدة المذكورة والباقي ينتمي إلى الزمن المدني، ولكل فترة سورها وخصائصها ومجالات تداولها حسب حاجة الناس ودرجة تيقنهم من صحة الوحي… وقد حدث أن انقطع الوحي فترات جعل النبي يتردد في أخذ أي موقف تجاه الوقائع النازلة. إن السؤال الذي طرحه المشككون في نسبة الوحي إلى الذات الإلهية زمن النبي عليه السلام في قضية التنجيم هو ما حكاه القرآن على لسانهم: “وقال الذين كفروا لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة”[1]، كما طرحه المشككون المتأثرون بالمنهج الديكارتي في العصر الحديث، وهو الاستشكال الذي يراه ابن نبي صادرا عن أناس غير مدركين عمق هذا المنهج التربوي الذي يؤكد عقليا واجتماعيا ونفسيا صحة نسبة الظاهرة القرآنية إلى الذات الإلهية. “فأي أمل كان يمكن أن يلتمسه عنده (عند النبي عليه السلام) قبيل بدر مثلا، لو أنه بدلا من أن يتوقع إمداد الملائكة ظل يكرر آية سبق أن حفظها عن ظهر قلب”!؟[2]، وعن طريق التنجيم ندرك قيمة الظاهرة القرآنية تربويا. إن الله تعالى يربي نبيه وصحابته من خلال تعزيز جهودهم والدفع بإرادتهم نحو تحقيق الهدف البعيد؛ هدف الملحمة الفريدة في تاريخ البشرية. “كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا”[3].

الوحدة الكمية: يقصد بها الوحدات المتتالية المتسمة بنوع من الاستقلالية في الموضوع، تأتي آية أو مجموعة آيات، ويمكن أن تمتد لتتشمل الوحدة هذه السورة كلها تنضاف إلى المجموعة القرآنية. ومن تأمل في الوحدة النسقية بين الآيات والسور القرآنية أدرك أن ذات النبي عليه السلام، والتي تتصبب عرقا وتترعد حين تتلقى الوحدات الكمية للقرآن ليس بمقدورها أن تأتي بالتناسب الذي نلحظه بين الآيات والسور على تباعد زمن تنزّلها.

 “إن القرآن لو جاء به النبي من عنده كما يقول المشككون لما أغفل الفرصة على نفسه ليخلد اسمه في كل آية أو صفحة من صفحات هذا المتن”..

أما إذا نظرنا إلى الوحدة الكمية من جهة الموضوعات التي تحملها، وجدنا أفكارا تتجاوز حدود الزمان والمكان الذي عاشت فيه الذات المحمدية، ذلك أن هذه الرسالة التي تحدت العرب أن يأتوا بسورة من مثله قد أحدث ثورة في البيان، ليس فقط على مستوى قالبه الذي تحرر من قيود العروض الشعري الذي اتسمت به الكلمة في شبه الجزيرة العربية، بل في محتواه أيضا، لأن الجغرافيا التي عاش فيها المجتمع الجاهلي اتسمت بشيء من اللاحدود، فهي صحراء لا يحيط بها البصر وسماء فارغة وهدوء واسع لا تفجره إلا قعقعة السيوف إذا ما تحاملت قبيلة على أخرى. هذه الضروف فتحت أمام امرئ القيس مجالا لتوظيف الأساليب البلاغية التي وصلت في الفصاحة والرقي باللغة مدى عظيما، بيد أن القرآن الكريم من حيث الموضوعات التي تكلم فيها تجاوزت مهعود العرب في الإدراك والإحاطة. “إن ظاهرة لغوية كهذه فريدة في تاريخ اللغات، إذ لم يحدث للغة العربية تطور تدريجي، بل بعض ما يشبه الانفجار الثوري المباغت، كما كانت الظاهرة القرآنية مباغتة”[4]. إن اللغة القرآنية قد طوت اللغة الجاهلية المحلية باستدعاء مصطلحات جديدة من حضارات أخرى لم يتواصل العرب معها من قبل، وهذا تجلّ يعتبره ابن نبي من تجليات الإعجاز القرآني الذي أغفله بعض المفسرين، لأن العرب لم يتواصلوا مع الحضارات الأخرى، خاصة الآرامية واليونانية وغيرهما. إن الدراسة التي قام بها الباحث التونسي الدكتور يوسف الصديق عن القرآن الكريم في أعماله الكثيرة والتي أهمها كتاب “نحن لم نقرأ القرآن بعد أم على قلوب أقفالها”، من حيث تضمنه لمصطلحات جديدة من حضارات أخرى لم يتواصل معها العرب زمن البعثة المحمدية، وأهمها الحضارة اليونانية من مثل مصطلح “الحوار”، (إذ يقول لصاحبه وهو يحاوره)، ومصطلح الملكوت والجبروت… ليبين من خلال الدراسة أن وجها كبيرا من أوجه الإعجاز القرآني قد أغفله المفسرون وعلماء القرآن، والذي يبرئ القرآن من تهمة المستشرقين ومن تأثر بفكرهم في قضية نسبته إلى محمد عليه السلام. هذه الدراسة التي اعتبرها فتحا كبيرا غير مسبوق إليها، قال بها الأستاذ مالك بن نبي سنة 1947 في كتابه “الظاهرة القرآنية”، على ما بين الدراستين من فروق من حيث الغاية والمرمى. يقول ابن نبي: “والقرآن استخدم ألفاظا جديدة، وخاصة تلك الألفاظ الآرامية، للتعبير عن مفاهيم جديدة من الناحية النوعية، كلفظ “ملكوت”، وكذلك الأسماء الخاصة مثل “جالوت” و”هاروت” و”ماروت”. فمن وجهة الدراسات اللغوية يبدو القرآن وكأنما استحضر ثروته اللفظية الخاصة، وأنشأها إنشاء بطريقة فجائية وغريبة”[5]. وهو بهذا القول يرد على مرجليوث وتلميذه طه حسين اللذين قالا بالانتحال في الشعر الجاهلي.

أما مضمون الرسالة القرآنية فإنه لا يخفى على كل قارئ رحابتها وإحاطتها بالكون كله من عالم الذّرّة إلى عالم السُّدُم والمجرّة، ما فرطنا في الكتاب من شيء[6]، بله تغلغل البيان القرآني في النفس الإنسانية بالشكل الذي تنكشف معه خبانا نفس المؤمن والكافر، كما أحاط المضمون القرآني بالزمن كله من الماضي السحيق إلى المستقبل الدنيوي والماورائي. يرى ابن نبي أن هذا الإعجاز العظيم على هذه الشاكلة التي تنعدم في كل ما قيل من الكلام، والذي لم يتمالك فيلسوف مثل الاسكتلندي “طوماس كارليل” أن يصرخ إعجابا بالقرآن الكريم فيقول: “هذا صدى متفجر من قلب الكون نفسه”[7]. هذه الفرادة التي تتحدى القدرة الإبداعية لدى البشر هي التي يطلق عليها ابن نبي لقب “الظاهرة القرآنية”.

لم يغفل ابن نبي الإشارة إلى جانب مهم جدا من جوانب الإعجاز النفسي للظاهرة القرآنية، تلك هي الحضور النادر لشخص النبي في النص القرآني. إن القرآن لو جاء به النبي من عنده كما يقول المشككون لما أغفل الفرصة على نفسه ليخلد اسمه في كل آية أو صفحة من صفحات هذا المتن، لكن الواقع أن محمدا لم يُذكر تاريخه كما لم تُذكر آلامه التي سجلها أهل السير والتاريخ. إن فاجعة فقدان عمه وزوجته ظلت مصاحبة له إلى آخر عمره كلما ذُكرا عنده بكى، فكيف يغفل ذكر أحواله معهما أو ذكر تفاصيل حياته معهما أو مع غيرهما؟ ومن جهة أخرى هذه قريش التي حاربت النبي عليه السلام منذ أن خرج عليهم بهذا الدين الجديد، ومع ذلك ذُكر اسم قريش مرة واحدة في سياق لا علاقة له بالتهجم أو النقد. إن مثل هذه الإشارات التي أيد بها ابن نبي دراسته النفسية والاجتماعية للنبي والمحيط الذي ترعرع فيه تؤكد بما لا يدع أي مجال للقول إن محمدا عليه السلام كان واسطة بين الناس والعالم الغيبي، وإن دراسة مقارنة بين القرآن الكريم والكتاب المقدس لتكشف جليا أوجه هذا الإعجاز، ولذلك انتقل فيلسوفنا لدراسة هذه العلاقة على الشاكلة التي سنفصل القول فيها في الحلقة الآتية بحول الله .

(يتبع)

[1] _ سورة الفرقان الآية 32.

[2] _ الظاهرة القرآنية ص 180

[3] _ الفرقان الآية  32.

[4] _ الظاهرة القرآنية ص 191.

[5] _ نفسه ص 191.

_ سورة الأنعام الآية 38. [6]

_ الظاهرة القرآنية ص 195 [7]

Comments

comments