إبراهيم بوحولين: في حضرة مالك بن نبي -5

  • 0
إبراهيم بوحولين باحث في قضايا الإسلام

إبراهيم بوحولين
باحث في قضايا الإسلام

بعد الحديث عن شخص النبي عليه السلام والمحيط الذي عاش فيه بعيدا عن الديانات والكتب السماوية الأخرى، حتى جاءه الوحي دون سابق انتظار كما أبرزنا في الحلقة السابقة، انتقل فيلسوفنا مالك بن نبي للحديث عن علاقة الوحي بذات النبي محمد عليه السلام، ذلك أن بعض المستشرقين الذين قاموا بدراسة السيرة النبوية ومراحل تلقي النبي للوحي أطلقوا على الحالة النفسية التي كان يشعر بها النبي حين يأتي بالقرآن اسم “المكاشفة”، وهي حالة تجعل النبي (في نظرهم) يخلطه إلهام يفيض من عقله الباطن أو نفسه الخفية الروحانية على مخيلته السامية، وينعكس اعتقاده على بصره فيرى الملكَ ماثلا له، وينعكس على سمعه فيعي ما يحدثه به[1].

يفرق ابن نبي بين الوحي المعروف عند الرسل على امتداد تاريخ النبوات، بما هو معرفة تلقائية مطلقة لموضوع لا يشغل التفكير، وبين الوحي النفسي والمكاشفة التي من شروطها أن تكون موضوعا مفكرا فيه وقابلا للتفكير فيه، لأن المكاشفة احتمال يأتي برهانها بعدها ليأكد صدقها من عدمه. فمجال المكاشفة هو الشك، بينما مجال الوحي هو اليقين. إن المكاشفة لن تسعف النبي ليفرق بين القرآن والحديث، لأن كلا النصين نطق بهما النبي من فيه. إن الوحي كشف عن مغيب تماما لا صلة للنبي به إطلاقا بأي وجه من وجوه المعرفة: “ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنتَ لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم، وما كنتَ لديهم إذ يختصمون”[2].

يرى فيلسوفنا أن من الأخطاء التي وقع فيها الكتّاب المحدثون، جهلهم أو تجاهلهم لحقيقة نفسية في غاية الأهمية حين تعرضهم للظاهرة القرآنية، تلك هي اقتناع النبي الشخصي. هذا اليقين الذي لا يأتي مصاحبا للوحي، وهو ليس من طبيعته، بل هو رد فعل النبي الطبيعي تجاه هذا الشعور الذي يأتي من الخارج. فالوحي إذن هو حقيقة تحتاج من النبي إلى تيقن عقلي لتقبله وتبنيه، وهذه هي مهمة النبي تجاه هذا الوحي الذي يأتي النبي مفاجئا له دون سابق استعداد، وقد كان الصحابة شاهدين عن الشحوب والاحتقان على وجه النبي عليه السلام كلما نزل الوحي حتى يأمرهم أن يلقوا على وجهه سترا. إن الظاهرة هذه كانت دائما مستقلة عن إرادة النبي عليه السلام[3]. وهو بهذا الفهم يرد عن أصحاب القراءات الحداثية الذين تكلموا عن الحالة النفسية التي استقبل بها النبي عليه السلام الوحي في بدايته بالتجريح والتنقيص، حتى اعتبروا الحالة النفسية التي تحدث عنها ابن نبي نوعا من التشنج النفسي يفقد صاحبه صوابه، وهذا خطأ يعتبره ابن نبي لا مبرر له اطلاقا، ذلك أن المتشنج لن يقوم بعد الحالة النفسية التي تعترضه حافظا لما جاءه مستوعبا إياه كأحسن ما يكون الحفظ والاستيعاب.

إن محمدا عليه السلام رجل أمي لم يكن يجيد من المعرفة إلا ما كان سائدا في شبه الجزيرة العربية، وهي مسائل بسيطة جدا لم تتطرق إلى عوالم الميتافيزيقا ولا إلى أخبار الأولين. ولنا في ما حفظه لنا الزمن من الشعر خير دليل على ما نقول، لكن الفكرة التي حملها الوحي إلى نفس النبي لم تكن تربطها أي صلة بمعارف مجتمعه البسيطة. إن الوحي يأمره أن يقرأ! ما القراءة؟ الكلمة هذه لا أهمية ولا قيمة لها بالنسبة لرجل أمي لا يتقن القراءة ولا الكتابة، ثم ما يلبث الوحي أن ينقطع عنه زمنا فيعيش النبي عليه السلام حالة من القلق من خلالها شكك في نفسه من حيث اقتناعُه بالفكرة التي أتته من الخارج، ثم ما لبث الوحي أن رجع إليه ليسر بذلك ويقتنع نفسيا بالفكرة. إن هذا التدرج في التيقن من الوحي دليل على نضج النبي وتهييئ الله له حتى يتلقى هذا القول الذي قال عنه صاحبه “إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا”[4]. هكذا سيتابع الوحي نزوله بسور القرآن سورة سورة، فتتزاحم في وعيه الحقائق التاريخية والكونية والاجتماعية، التي لم يسبق أن سُجلت في صفحة معارفه، أو معارف عصره ومناحي اهتماماته[5].

سمع أحبار اليهود والمطلعون على أسفار التوراة التي حملت غير قليل من أخبار وقصص الأنبياء والرسل، فجاؤوا النبي عليه السلام ليرفعوا في وجهه تحديا هو أن يخبرهم عن قصة يوسف عليه السلام بشيء من التفصيل، وهم يعرفون البيئة والمحيط الذي عاش فيه النبي، ويعرفون أنه لم يقرأ كتبهم، بل أنه لا يقرأ ولا يكتب، فوجدوا في هذا التحدي أفضل سبيل لامتحانه والقضاء على دعوته التي أصبحت تهدد وجودهم الديني. تحدثنا قبل أن النبي عليه السلام قد حصل عنده اليقين العقلي والنفسي في صحة الرسالة التي يتلقاها، يحدثه في هذا المقام الوحي صراحة ” فإن كنتَ في شك مما أنزلنا إليك، فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك، لقد جاءك الحق من ربك، فلا تكوننّ من الممترين”[6]، فيرد النبي عليه السلام على ما ذكر المفسرون “لا أشك ولا أسأل”. إن هذا التحدي الذي رفعه أهل الكتاب في وجه النبي عليه السلام فتح أمامه طريقا ليقارن النصوص التي أتته من عالم الغيب بما هو موجود في كتب بني إسرائيل، كما مكّنه من تقديم حجج عقلية لقومه الذين أنكروا دعوته بما لم يدع لهم مجالا للقول.

ثم انتقل مفكرنا للحديث عما أسماه “الفكرة المحمدية” ويقصد بها الفصل بين كلام الله “الوحي” الذي بدأ مع غار حراء، وبين كلامه هو، رغم أن كلا الكلامين يصدران من فم النبي عليه السلام، لأنه الواسطة بين عالم الغيب وعالم الشهادة. يستشهد ابن نبي بجملة من الآيات القرآنية ووقائع من السيرة تؤيد هذا التمايز، فمن يقرأ قول الله تعالى “ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقضى إليك وحيه، وقل رب زدني علما”[7]، يفهم هذا التمايز الواضح بين كلام الله وكلام النبي عليه السلام، أن العبارة القرآنية لها نسق وجرس تعرفه الأذن، ولها هيئة تركيبية وألفاظ خاصة، فليس من الخطأ أو الغلو في شيء أن يقال: إن الأسلوب القرآني معجز، لا يتسنى لأحد الإتيان بمثله، ولئن كان قد رُوي أن الشاعر الكبير “المتنبي” قد حاول – دون جدوى- أن يقلده، فإن التاريخ يسجل محاولة معينة في هذا السبيل هي محاولة البيان العربي الذي كتبه الباب (أواسط القرن التاسع عشر 1848م)، لكنها لم تكن سوى محاولات يائسة[8].

يستأنف ابن نبي في تقديم الإجابات العلمية عن الإشكالات التي طرحها المستشرقون الدارسون للسيرة النبوية وعلاقتها بالظاهرة القرآنية، والساعية إلى التشكيك في ربانية القرآن الكريم ومحاولة تقديم إجابات من داخل منظومة العلوم الإنسانية والاجتماعية تفسّر الظاهرة القرآنية عبر وضعها في سياق تاريخي ومن ثم تحليلها كسائر النصوص التاريخية، بأن تصدى فيلسوفنا لكل هذه الأفكار “الديكارتية” بنفس المنهج الذي اعتمدوه، كما رأينا فيما مضى من الصفحات.

(يتبع)

[1] _ الظاهرة القرآنية ، ص 143.  ( بتصرف)

[2] _ سورة آل عمران الآية 44.

[3] _ الظاهرة القرآنية ص 153 .

[4] _ سورة المزمل الآية 5.

_ الظاهرة القرآنية ص 157.[5]

[6] _ سورة يونس الآية 94.

[7] _ سورة طه الآية 114.

[8] _ الظاهرة القرآنية ص 172.