رشيد المساوي: من دولة الرعايا إلى دولة الزبناء

عبد الرشيد المساوي استاذ وباحث في ثقافة وتراث الريف

عبد الرشيد المساوي
استاذ وباحث في ثقافة وتراث الريف

سارع الكثيرون إلى التهليل ل”الزلزال” السياسي الذي هز الحكومة، بعد إعفاء عدة وزراء اتهموا بالتقصير في أداء مهامهم في ارتباط مع مشروع “الحسيمة، منارة المتوسط”. وهو زلزال كان متوقعا – لكن ليس بكل هذا الحجم – بعد أن تم الإعلان عنه علنا من طرف رئيس الدولة قبل حدوثه. وطبعا فإجراء مثل هذا هو أمر نادر الحدوث، أي قلما يمتد الغضب/ “المحاسبة” ليشمل أسمى الموظفين في الدولة، إذ غالبا ما كان يتم التضحية بصغار الموظفين.

لذلك نفهم ردود الفعل المرحبة من طرف “عامة” الشعب”. وهكذا يكون حراك الريف قد ولد زلزالا حقيقيا، ليس بإعفاء أعضاء من الحكومة فقط بسبب “غضبة” ملكية تستند دستوريا على شعار “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، وإنما بتعريته لسياسة الدولة برمتها وكشف زيف شعاراتها وإسقاط الأقنعة الذي بين حجم الهوة بين الخطاب والواقع؛ وهو ما دفعها إلى الإعلان صراحة عن فشل نموذجها التنموي. فما هي مقومات هذا النموذج التنموي الفاشل؟ وما هي ملامح النموذج التنموي البديل يا ترى؟

قبل المرور لاستشراف الأجوبة الممكنة عن السؤال أعلاه، لا بأس من التوقف عند بعض دلالات ما حصل. فما سمي ب”الزلزال” الذي أحدثه “فالق” حراك الريف الذي بين الشرخ بين الدولة والمجتمع، بين الشعارات والواقع، لم يبدأ البارحة وإنما منذ مدة؛ وكان من تبعاته إعفاء بنكيران وحزبه من رئاسة الحكومة ضدا على الدستور، تلاه إعفاء شباط من قيادة حزب الاستقلال،مرورا بإعفاء مزوار من قيادة الأحرار واستقدام أخنوش، وانتهى بإعفاء بنعبد الله الذي عمر في الحكومة لسنوات (التخلص من 4 أمناء عامين لأحزاب كانوا مشاركين في الحكومات السابقة في زمن قياسي). وذلك بالموازاة مع النقد اللاذع الذي خص به الملك الأحزاب السياسية إذ اتهمها بعدم تحمل مسؤوليتها في تأطير المواطنين مما جعل “الدولة / القوات العمومية” في مواجهة مباشرة مع الشارع، معطيا المثال بما حصل في حراك الريف. ينضاف إلى هذا ضرورة استحضار أن الإعفاءات التي حصلت لا تتساوق تماما مع “تقرير جطو” الذي لم يكشف بدقة مسؤولية الذين تم إعفاؤهم، بل يشكل استثاء أخنوش – بحسب كثير من المتتبعين – دليلا على تنامي أسهم فريق الصدر الأعظم في رسم الخريطة السياسية للمملكة، إذ تمت إزاحة كل الذين لم يأتمروا بأوامره سواء كانوا زعماء حزبيين (بنكيران، شباط، بنعبد الله…) أو موظفين إداريين سامين ( حصاد نموذجا في إدارته لمحطة 7 أكتوبر مثلا)… كل هذا وغيره يقوم مؤشرا قويا على طي صفحة 20 فبراير و نهاية زمن التوافق والتشارك الذي حاول تقعيده دستور 2011 .

وهكذا يبدو لي، أن أهم مقومين قام عليهما النموذج التنموي للدولة في بداية عهد محمد السادس، والذي وصف بالفاشل في تحقيق الأهداف التي تم تسطيرها، هما تقرير الخمسينية لبلفقيه وتقرير المصالحة لبنزكري اللذين سيتم إرجاعهما إلى الرفوف لأنهما جاءا ليسوقا لعملية استكمال الانتقال الديمقراطي واعتماد المقاربة التشاركية بالتوافق مع “الأحزاب”  و “المجتمع المدني “لإنجاح ” مبادرة التنمية البشرية”؛ وكان من نتائج كل ذلك فشل ذريع على كل المستويات، وخاصة في القطاعات الاجتماعية (الشغل، الصحة، التعليم)، وهو فشل تعزوه الدولة إلى عدم جدية ومسؤولية الشركاء (السياسيين والمدنيين) .

إذن كخلاصة، أرى أن النموذج التنموي الجديد، بعد سحب الثقة من الشركاء من طرف الدولة (سلخ الاحزاب) والمجتمع (دكاكين استرزاقية بلغة حراك الريف) لن يكون إلا سلطويا يعتمد التدخل المباشر للدولة دونما حاجة إلى وسائط مكلفة وغير ناجعة،مع تغليب المقاربة الاقتصادية – الأمنية التي يحكمها العقل المقاولاتي “الديناميكي” ذو الطابع الهجومي، على المقاربة السياسية التي لا تساير دينامية المجتمع وانتظاراته، نظرا لطابعها الدفاعي والبطيء… فهل ستنجح السلطوية – التي يتم تسويقها كموضة عالمية للنجاح في ظل النظام العالمي الجديد ( لنموذج الصيني) – في تحقيق التنمية التي فشلت فيها “الديمقراطية” لمواجهة تحدي تنامي الاحتجاجات الاجتماعية (سلطة الشارع)، وتحدي وقف زحف المد الإسلامي الذي لا يمكن اعتماد الآليات الديمقراطية في مواجهته، لأنه يستطيع اكتساح صناديق الإقتراع؟ أي هل نحن بصدد الانتقال إلى “دولة الزبناء” بعد فشل أو إفشال الانتقال من دولة الرعايا إلى دولة المواطنين؟!

Comments

comments