سعيد دلوح: صفحات من تاريخ الحراك.. صرخة شهيد – 6

سعيد دلوح - مدون من الريف

سعيد دلوح – مدون من الريف

التحمت جموع المشيعيين الذين رافقوا نعش الشهيد محسن فكري من مدينة الحسيمة، مع المشيعيين الذين تقاطروا على طول الطريق من بلدات الريف، التى مر بها الموكب، حتى وصوله إلى وسط إمزورن، حيث مسجد الإمام مالك، الذي أقيمت فيه صلاة الجنازة على روحه الطاهرة.

على طول هذا الطريق كان الصمت يربض على قلوب المعزيين، والحزن يتقطر من وجوههم.. إلا بعض المجموعات هنا وهناك ترفع شعارات منددة بالجريمة.. لكن الملفت فى الموكب وجود النساء والبنات فى هذا المسير .. وكن يقفن على الطريق  يطلقن زغاريد الوداع.. ومنهن من شيعن الشهيد حتى المقبرة.. حتى ووري الثرى… وهذه سابقة في تاريخ الريف.. لم يشهد من قبل حضور النساء في موكب جنائزي فى الريف.. لا ندري هل ثمة عرف يمنع حضور النساء لوداع الأحبة.. حتى اللحظات الأخيرة وهم يهال عليهم التراب.. أم أن النساء لا يستطيعن تحمل تلك اللحظات القاسية.. وهن يرين أحبتهن يوضعون  تحت التراب..

“فى تلك اللحظة من الصمت والحزن، كانت حوارت داخلية تجري في عقول كل واحد من هؤلاء الحاضرين، وكانت أسوار مسيجة تخترق، وحواجز الخوف والرعب التى أقامها الجلاد لعقود تتحطم..”

لكن مهما يكن الأمر.. سواء العرف، أو اللحظات القاسية العنيفة على قلب المرأة الرقيق.. فإن هذه اللحظة تجاوزت فيها المرأة الريفية كل الأعراف والمواقف القاسية.. وتقدمت إلى  الخطوط الأمامية.. جنبا إلى جنب مع أخيها الرجل.. حتى المقبرة.. لوداع الشهيد السعيد، الذى كان رمزا للشجاعة والتضحية والأقدام، وتعرية الجلاد.. صرخته هذه أيقظت كل القلوب التائهة الضائعة، التي كانت تنتظر أن تقبض على السراب.. أو الوجلة الخائفة.. التى من قوة  سلطان الخوف الذى تمكن من  قلبها، أصبح مواء القطط أقوى من صوتها.. صرخة الشهيد، أعطت جرعات من القوة والشجاعة والبصيرة لكل هذه الفئات.. ومنها النساء اللواتي كن معفيات أو مقصيات من كثير من الأدوار الاجتماعية.

لما وصل موكب الشهيد إلى المقبرة، لم تسطع تلك الرقعة الجغرافية أن تستوعب جحافل المشيعين.. كان المكان يضيق بتلك الحشود الغفيرة.. التى مشت برهبة وخشوع فى جنازة الشهيد محسن أثناء مراسم الدفن، رغم الصلوات والدعوات التى كانت تتلوها حناجر المؤمنين، ورغم بعض الطفيليات التى حاولت منذ البداية الركوب على هذا الحدث الجلل، وتوضيف دم الشهيد من أجل مآرب أخرى.. لكن كان الحزن والغضب يقرآن على ملامح الحضور.. ويتدفقان من عيونهم.. وجوه محتقنة شاخصة نحو نعش الشهيد، وهو يمر أمام هذا الحشذ الذى اصطف بخشوع الأتقياء.. يتابع اللحظات الأخيرة فى وداع الشهيد البطل الذى رفض الذل والخنوع والظلم، وتصدى له وحده، والتحم مع الموت، غضبا لكرامته، وكرامة أهله وأرضه وتاريخه، غضبا لزرقه الحلال الذي يصادر أمام عينيه، ويطحن فى طاحونة الزبل.. قال لا.. في زمن عزت هذه الكلمة أن تخرج من أفواه الموتى الذين يمشون على الأرض.

فى تلك اللحظة من الصمت والحزن، كانت حوارت داخلية تجري في عقول كل واحد من هؤلاء الحاضرين، وكانت أسوار مسيجة تخترق، وحواجز الخوف والرعب التى أقامها الجلاد لعقود تتحطم.. روح الشهيد محسن دقت دقات متصلة على هذه الأرواح التائهة الخائفة.. وأعادتها إلى الواقع، إلي الحياة.. بعدما غيبت لسنوات طويلة في سجون نفسية واجتماعية ضيقة.. أو هذه الأرواح طردت وراء البحار، لم تعد تعيش فوق هذه الأرض.. إلا أجساد متعبة تمشي بتثاقل واسترخاء..

(يتبع)

Comments

comments