إبراهيم بوحولين: في حضرة مالك بن نبي – 4

  • 0
إبراهيم بوحولين باحث في قضايا الإسلام

إبراهيم بوحولين
باحث في قضايا الإسلام

بعد الدراسة النفسية والاجتماعية لظاهرة النبوة، على اعتبار أنها جزء من دراسة الظاهرة القرآنية، لأن الني عليه السلام هو مستقبل الرسالة القرآنية، ولما كان الأمر كذلك، كان إثبات صدق نبوته إثباتا لصحة الرسالة القرآنية نفسها.

رآى ابن نبي أن بحث أصول الإسلام ومصادره إنما يدخل ضمن قضية الظاهرة القرآنية أيضا، ولذلك استهل حديثه عن أصول الإسلام بمقارنة بين القرآن الكريم والكتاب المقدس بعهديه: العهد القديم (الأسفار الخمسة التي يُطلق عليها التوراة)، والعهد الجديد (الكتب الأربعة التي يُطلق عليها الإنجيل)، من حيث مدى صحة نسبة الكتب المذكورة إلى الله تعالى، وتصرف الناس فيها. ومعلوم جدا أن الباحثين في الكتاب المقدس قد اختلفوا حول ضبط وجمع مادة العهد القديم وتوقيتها، وأنه لم يكتب بيد مؤلف واحد في عصر واحد لجمهور واحد، بل قام بهذه المهمة مؤلفون كثيرون، في عصور متباينة، لجماهير تتباين مزيجا ومزاجا، حتى امتدت هذه التفانين إلى أكثر من مائة عام، قدر البعض تاريخ الانتهاء منها حوالي 440 ق.م[1] ، وربما في تقدير آخر حتى القرن الأول قبل الميلاد[2] . وقد جاء في سفر التثنية: “ولم يقم من بعد نبي في إسرائيل كموسى الذي عرفه الرب وجها لوجه”(الفصل34)!! فكاتب هذه الشهادة لم يكن في زمن موسى أو بعده بقليل، ولكنه عاش بعد قرون عديدة، بل إن النسخ في التوراة تختلف في مضمونها، حيث نجد تكرارا للقصص والأحداث، مما يبين أن المصنفين لم يلتقوا، ليصفوا ما بينهم من خلافات في التفاصيل[3].

ولقد ظهرت حركة في الغرب إبان عصر النهضة الأوروبية قامت بنقد هذا الكتاب بقسميه، على ضوء العقل وقوانينه، والمعطيات التاريخية، وكان من نتائج هذه الدراسات النقدية المستفيضة من قبل علماء لاهوت ورجال دين، أن يقول أحد القساوسة الأنجليكانيين: “المتحف هو أفضل مكان لثمانين بالمائة من العهد القديم[4]“. و في سنة 1929م تم استفتاء خمس مئة تلميذ لاهوتي من الكنائس المعمدانية والجماعية والأسقفية والإنجيلية واللوثرية والنظامية، عبر طرح سؤال: هل تعتقد أن الكتاب المقدس خال تماما من الأساطير والخرافات؟ فأجاب خمسة وتسعون في المائة ب: “كلا”[5] ، ف”الكتاب المقدس” في نظر كثير من القساوسة وأساتذة اللاهوت لا يعدو أن يكون مجموعة من الأساطير والخرافات، وهي الحقيقة التي نبهنا إليها القرآن الكريم” ذلك قولهم بأفواههم، يضاهون قول الذين كفروا من قبل”[6] ، وما كان النبي الأمي عليه السلام دارسا للديانات الوثنية القديمة ليبين للناس هذه الحقيقة التي وصل إليها علماء اللاهوت في العصر الحديث.

“الحالة النفسية التي صاحبت النبي عليه السلام وهو يتنقل بين غار حراء مليئة بالدهشة واستشراف شيء قريب يوشك أن يأخذ النبي ويضمه إليه ويغير مجرى حياته وتاريخ الإنسان كله”.

أما القرآن الكريم فقد دُون على الألواح وجذوع النخيل وجلود الأنعام وكل الوسائل المتاحة وقتئذ في زمن النبي عليه السلام، وبعد وفاته قرر الخليفة الأول أبو بكر الصديق أن يجمعه بين دفتي مصحف واحد، ثم أعاد عثمان رضي الله عن صحابة رسول الله جميعا جمعه في مصحف واحد محتكما في ذلك إلى النطق القرشي كما هو معلوم عند المهتمين بعلوم القرآن. والثابت تاريخيا هو أن المسلمين قد أجمعوا على صحة هذا الكتاب، أما السنة النبوية الشريفة فإنها لم تُدون زمن النبي عليه السلام لأسباب بينها العلماء، منها ما يرجع إلى خشية اختلاط الحديث النبوي مع القرآن الكريم الذي كان ينزل غضا طريا يتلوه النبي عليه السلام على الصحابة الكرام فيدونونه في السطور ويحفظونه في الصدور، ولذلك ورد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه …”[7]، على أن هناك صحابة بعينهم أجاز لهم النبي عليه السلام الكتابة عنه لما رآه فيهم من النبوغ والحصافة بحيث إن لهم قدرة على تمييز القرآن عن السنة النبوية الشريفة، منهم الصحابي الشاب عبد الله بن عمرو بن العاص، ولذلك لم تُدون السنة على الصحف إلا على رأس المئة للهجرة. وقد ظهر في العراق أناس ذهبوا في تصحيف كلام النبي عليه السلام وتقويله ما لم يقل ووضع الحديث وضربه كل مذهب، إما نصرة لمذهب وفرقة سياسية أو طعنا في الدين أو لأغراض أخرى، لكن علماء الإسلام قد اخترعوا ميزانا لتمييز الأحاديث التي وصلتهم صحيحها من ضعيفها من موضوعها ومختلقها، سموه علم الجرح والتعديل، فاستطاعوا بذلك أن يصنفوا أنواعا من الكتب تخضع لشروط حاسمة هي مفصلة في كتب الحديث ومصطلحه، فظهرت أنواع من المصنفات في متن الحديث النبوي الشريف (الصحاح ، الموطآت، المسانيد، السنن …)، فاستطاع المسلمون بذلك أن يحفظوا المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم.

وبما أن دراسة الظاهرة القرآنية لا يمكن أن يُستغنى فيها عن معرفة الذات المحمدية، فإن فيلسوفنا قام بعد الذي ذكرنا بدراسة الذات (ذات رسول الله عليه السلام) باعتباره شاهدا على الظاهرة القرآنية وناطقا باسمها، دراسة تسعى إلى رسم صورة نفسية على حياته قبل البعثة وأثناء مصاحبته الظاهرة القرآنية، ذلك أن النبي قد عاش من ولادته إلى اعتزاله في غار حراء حياة عادية لم يتصل فيها بالعالم الخارجي، ولم يلتق فيها بأصحاب الديانات السابقة. يمر ابن نبي بشيء من العجالة على أحداث عاشها النبي عليه السلام ليست خارقة للعادة، تشي بأن هذا الطفل والشاب سيكون له شأن بعد حين، حادثة شق الصدر وحادثة الراهب الذي نبه عمه أبا طالب إلى ضرورة إرجاعه إلى قريش حين سافر معه في أول رحلة له خارج مكة، وما دون ذلك فالنبي عاش وترعرع في مجتمع وثني يعبد الأصنام المحيطة بالكعبة، مع وجود بعض الشخصيات التي يصفها ابن نبي بالصوفية، وهم الذين لم يعبدوا الأصنام وبقوا على دين الحنفية الموروث من زمن إبراهيم عليه السلام، لكن ابن نبي ينبه إلى قضية مهمة في ذات المقام هي أن هؤلاء الحنفاء “الصوفية” لم يكن لهم أي اتصال باليهود أو النصارى ولم يطالعوا الكتب السابقة، إنما هو اختيار ورثوه في نفس المجتمع المليئ بالأصنام، على أن أكثرهم اختاروا عبادة الانزواء والتفكر، حيث لم تكن لهم أي طقوس وشعائر يمارسونها غير اعتزال الأصنام وتبني القيم والأخلاق الحميدة. وقد كان النبي محمد قبل البعثة واحدا من هؤلاء الحنفيين، حتى لقّب في قريش بالصادق الأمين، وبعد زواجه بخديجة اختار الاعتزال إلى غار حراء مدة استمرت إلى نزول القرآن، ولم يكن النبي يفكر في شيء له علاقة باستقبال الرسالة. هذه قضية أوردها القرآن اعتبرها ابن نبي أمرا مهما في فهم الأبعاد النفسية لذات النبي عليه السلام التي آلت به إلى الاعتزال، والآية هي قول الله تعالى “وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين”[8].

يعتبر ابن نبي أن اعتكاف النبي عليه السلام في الغار لا يرجع إلى قلق نفسي كان النبي يعيشه، أو قلق أنطولوجي يبحث في انزوائه عن حلول له فيما يتعلق بعالم الميتافيزيقي”، ” فمن الخطأ فيما يبدو لنا أن يرى النقد الحديث (ولا سيما الأستاذ درمجهام) في هذا العصر مرحلة من البحث والقلق، أي نوعا من إرادة التكيف وتخلّق الفكرة عند النبي، بل على العكس تماما تبرهم وثائق العصر على أن المشكلة الغيبية لم تساور ضميره فقد كان عنده حلها، وجزء من هذا الحل إلهامي وشخصي، وجزء آخر موروث، لأن إيمانه بإله واحد إنما يأتيه من الجَدّ بالعيد (اسماعيل)[9].

إن الحالة النفسية التي صاحبت النبي عليه السلام وهو يتنقل بين غار حراء مليئة بالدهشة واستشراف شيء قريب يوشك أن يأخذ النبي ويضمه إليه ويغير مجرى حياته وتاريخ الإنسان كله، وهذا الشعور يُرجعه ابن نبي إلى حضور ذلك الظل الآتي من عالم آخر يطوف ويحوم حول النبي عليه السلام قبل أن يتحول إلى شيء مرئي يضم ذات النبي عليه السلام ويأمره بالقراءة، يصف ابن نبي هذا المشهد بتعبير لا يخلو من رونق أدبي وسلاسة في الأسلوب “وها هو ذا الليل يخيم على عزلته في غار حراء، حتى إذا نام أحس بحركة في لا شعوره توقظه، إنه يشعر بحضور، وهو يلمح أمام عينيه الآن رجلا، متشحا بلباسه الأبيض، إن المجهول يقترب منه ثم يخاطبه قائلا: “اقرأ” …”[10].

هكذا قام ابن نبي بدراسة نفسية لشخص النبي وما استصحبه من مواقف منذ ولادته إلى زمن الظاهرة القرآنة، كلها تشي أنه لم يكن له أي اتصال بالأديان السابقة ليأخذ عنها أو يتأثر بها، وهو بذلك إنما يجيب عن اتهامات وشبه بعينها طرحها المستشرقون المهتمون بسيرة النبي عليه السلام وتلامذتهم العرب الذين أُشربوا مشربهم.

(يتبع )

[1] _ الدكتور أنيس فريحة: دراسات في التاريخ ، دار النهار ، بيروت 1980 ص 198.

[2] _ فراس السواح: مغامرة العقل الأولى، دار الكلمة بيروت الطبعة2 ، 1979م، ص 108.

[3] _ سبتينوا موسكاني: من عرضه لآراء فلهاوزن ( مؤسس أشهر مدرسة بحثية في التوراة) في كتابه ” الحضارات السلمية القديمة”.

[4] _ صحيفة العصر ملبورن / أستراليا عدد18/ 1968م.

[5] _ عن كتاب : دليل الأديان ط: 1955م، عن : هل الكتاب المقدس كلمة الله؟، ص 236.

_ سورة التوبة، الآية 30.[6]

[7] _ صحيح مسلم ( كتاب الزهد والرقائق) .

_ سورة القصص الآية 86. [8]

[9] _ مالك بن نبي، الظاهرة القرآنية ص 122.

[10] _ نفسه 125.

Comments

comments